جيلنا... وجيل الأبناء



أمضينا طفولتنا، رغم الحرب الأهلية والدمار، ونحن نتابع أروع الرسوم المتحركة، مثل السندباد البحري- زينة ونحول- ساندي بيل- نقار الخشب- توم وجري- سنووايت- بوباي...


 
جمال في الصور والألوان... روح صداقة ومحبة... أعمال خير
تنشر الفرح... أسلوب أنيق وراقٍ ومهذب لإيصال فكرة تربوية للطفل.


 
أما جيل أطفالنا في الزمن الحاضر فهو يشاهد أغرب الرسوم
 المتحركة!
  أبشع صورة... منتهى القباحة... منتهى قلة التهذيب... قمة سوء التربية... قمة الوقاحة...
 
والأبشع أنها في منتهى العنف. الصداقة فيها
 معدومة، لا مكان فيها لروح التعاون إلا على الأذى ونشر القتل وتزِّينه وكأنه من أهم سلوكيات الحياة ومقتضياتها للنجاح.
 
فجأة يظهر لكَ وحشٌ من العدم، يدوس على مدينة بأكملها ليقتل
الوحش، وتدور حربٌ طاحنة بين البطل/وهو طفل بالمناسبة، وبين الوحش، تدمر فيها المدينة بأكملها! 

 
هل أوصلنا لأطفالنا فكرة عن الرحمة؟... طبعاً لا. 
هل وصلته رسالة عن الاحساس
  بأوجاع الآخرين؟... طبعاً لا.
فأين هم أساساً هؤلاء الآخرون!



شوبينغ... وشوبينغ




ركبتُ يوماً الباص في رحلة العودة إلى منزلي، بعد أن أمضيتُ ساعات طويلة في شارع الحمراء بين المكتبات وأكشاك باعة الصحف والمجلات، أجل... أنا أقوم بشوبينغ كتب.

يومها كنتُ في غاية الفرح بمشترياتي، من الكتب والدوريات الثقافية.



وبينما أنا "أفلفش" في مجلة العربي، وإذ بمراسلين أجنبيين يصعدان إلى الباص، قال أحدهما للثاني بلغة انكليزية فخيمة "هل سبق ورأيتَ هذا المشهد من قبل في أي دولة عربية؟"... فأجاب الثاني: "طبعاً... لا!". شعرتُ  بالفخر لأنني قمتُ بعملٍ
يغير نظرة الغرب الدونية لنا كعرب!


خلال رحلة ثانية، وكنت أيضاً أقرأ في كتاب يعينني على طول الطريق، ويأخذني في رحلة إلى جنتي الخاصة الكائنة بين دفتيه. كانت تجلس خلفي في الباص، صبيتين تتحدثان عن المكياج والشوبينغ، وفجأة بدءتا تهمسان بكلامٍ عني، سمعته لأنني أسمع كالخِلد.


 قالت الأولى: "شو عم تستعرض علينا ثقافتها!"
 فأجابت الثانية: "يقطع عمرها قال يعني هي كتير فهمانة!".

وهكذا يمضي بنا العمر يا وطني، أجنبي يرى القارىء بين العرب أعجوبة، وأبناء الوطن غارقون في الجهل والتخلف!...

وعلى قول أحبابنا المصريين... وعجبي!!!!

الآخــــــــــــر



الآخــــــــــــر





اشتهر شاب بين قومه أنه قمة في اتزان العقل ورجاحة الفكر.

وفجأة!... لاحظتْ عائلته أنه يصاب بهستيريا حين يرى دجاجة، ويهرب من أمامها


راكضاً. تعوذت عائلته من الشيطان وقرروا أن يعرضوه على طبيب نفسي!

وحدد الطبيب النفسي مشكلته على أنه يعتقد نفسه حبة قمح لذا فهو يهرب من

الدجاجة!.

أدخله الطبيب إلى المصحة وعالجه مدة طويلة إلى أن شفي المريض.

حضرتْ عائلته لأصطحابه إلى المنزل، فأراد الطبيب أن يستعرض مهاراته أمام

عائلة المريض... فقال للمريض مبتسماً

اقتنعت هلق يا ابني بأنك رجال ومش قبة قمح؟

فأجاب الشاب بثقة:

والله يا حكيم أنا اقتنعت... بس بدك مين يقنع الدجاجة!.


وهذا هو حالنا نحنُ شعوب العالم الثالث مع الآخر! مقتنعون تماماً أنه ليس العدو،

لكننا نشكك باقتناعه هو.

والطامة الكبرى أننا لم نعد نكتفي بالهرب من وجه الدجاجة- أقصد الآخر- بل

أصبحنا نُلقي عليه التهم جزافاً ونلاحقه كي نسفك دمه!

وهكذا أصبحنا طوائف لا شعوب، طوائف لا أوطان... طوائف لا دين.

وهكذا أصبح أهل الجهل والتعصب الأعمى يتهمون أهل الفكر والاستنارة

بالكفر والهرطقة! فأباحوا دماءهم وأموالهم وأولادهم وأعراضهم...



أي زمن مخبول هذا الذي نعيشه!؟ وأي خذي وعارٌ هذا الذي نفعله بأنفسنا!؟

كيف ولماذا أصبح الآخر عدواً لمجرد أنه آخر، لا لأي سبب آخر!؟ ولما هذا التقوقع

على الذات، وإغلاق كل سُبل التواصل والاتصال فيما بيننا كبشر نشكِّل مجتمعات

انسانية!؟



قال الله تعالى في سورة الحجرات الآية 13

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} صدق الله العظيم.

هلاّ تفكرنا بمعنى هذه الآية الكريمة؟

أنها تعني أن تتقرب إلى الآخر وأن تعرف الآخر وأن تحب الآخر في الله، كي تعمَّ

الفائدة، كمثل تبادل المعارف والخبرات، وامتزاج الثقافات والتعاون للقضاء على

الجهل، ونشر العلم والثقافة، واكتشاف آفاقٍ جديدة للحياة، وسبر أغوار الدنيا

وشؤونها، ومعرفة العالم والكون، لعلنا في النهاية نصل لمعرفة الله.

أما دين الانسان ومعتقداته فشأنٌ بينه وبين رب العالمين، فحين قال الله تعالى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} صدق الله العظيم. لم يحدد الدين الأتقى والطائفة الأنقى، والمذهب الأصح، والشرع الأقرب إلى الله تعالى. إنما اختصر سبحانه وتعالى بأن قال {اتقاكم...} وتقوى الله يا أخواني هي حُسن الخلق ثم حُسن الخلق ثم حُسن الخلق... وبعدها تأتي العبادات على تنوعها وتعدد طرائقها.

فالله تبارك وتعالى قال في مُحكم تنزيله مخاطباً رسوله الأكرم (ص) {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} صدق الله العظيم.

فالله سبحانه وتعالى فضَّل نبيه الأكرم (ص) بأخلاقه وحُسن خلقه.

والرسول الأكرم (ص) قال: أكثر ما يلج به أمتي الجنة تقوى الله وحُسن الخلق.

صدق  رسول الله.

 

وبعد كل ما أمامنا من شواهد قرآنية وأقوال نبوية شريفة- ويؤسفني أن أقول ذلك-

فنحن مصرّون على مخالفة شرع الله، وانكار حق الآخر علينا، والتعامل بفظاظة معه

لمجرد أنه يخالفنا في الدين أو المعتقد.

فهل من أخلاق المسلم أن يأخذ بالشائعة ويصدقها؟ هل من أخلاق المسلم الحُكم على

الآخر دون بينة أو شواهد وأدلة؟ هل من أخلاق المسلم تكفير الآخر فقط لأنه آخر

ويخالفه في الرأي؟

أفلم يقل سبحانه وتعالى في سورة الغاشية {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ * إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَر  إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}

فمتى سنكف عن محاكمة الآخر والحكم عليه؟ متى سنكف عن اشهار تهمة التكفير

في وجه كل ما يخالفنا في الرأي؟ فمن قال أن المسلم أفضل عن ربه من المسيحي؟

وما دليلك على أن طائفتكَ أفضل من طائفة الآخر؟

 

في زمن الانترنت وبرامج الفوتوشوب واللعب والتلاعب بالصور والأصوات وكل

ما له علاقة بالميديا، تنتشر الصور والفيديوهات المسيئة لهذه الطائفة أو تلك... تنتشر

صور المشاهير والأفراد متلاعبٌ بها وبألوانها وبهيئة مَن يظهر فيها.  ... تنتشر

بطاقات عليها فتاوى من هنا وهناك...

بإمكاني الآن أن أكتب لكَ فتوى على صورة أي رجل دين ولأي طائفة، لأنسب إليه

كلاماً أنا أريد قوله ويمكن أن يكون مسيئاً لأي دين أو طائفة. كما يمكنني أن أفبرك

لكَ فيديو فيه شتائم وهتك أعراض وووو...

إذن... هو زمن مزيف وكل شيء فيه قابل للتزييف، فهل حاولتَ يوماً أنتَ يا مَن

تصدق كل ما ترى وتقرأ أن تتحقق مما ترى ومما تقرأ؟

قبل أن تقول عن الآخر أنه  كافر لأنه من طائفة أخرى، حاسب نفسك وانظر هل

الله راضٍ عنك؟ وهل لديكَ دليل أنه راضٍ عنك؟. قبل أن تتهم هذا الآخر بأي تهمة

باطلة، هل حاولت أن تجد عليها دليلاً موثقاً في كتابٍ معترفِ به وبإسم مؤلفه؟

هل تعرف أنه مقابل كل فيديو مزيف تراه عن طائفة الآخر،  يرى هو  ثلاث

فيديوهات عن طائفتك؟ هل تعرف أنه مقابل كل فتوى مزيفة تدّعي أنها فتوى للآخر،

هناك أربع فتاوى مزيفة بإسم طائفتك أنت؟

هل سألت نفسك يوماً من أين تأتي هذه الفتاوى؟ ومن المسؤول عن نشرها؟

هل حاولت يوماً أن تحاور هذا الآخر لتتعرف إليه؟ هل حاولتْ أن تضع النقاط التي

تجمعك به مقابل ما يفرِّقك عنه؟

هل تعلم أن في العالم قوى عظمى تعمل ليل نهار وتدفع المليارات لأجل أن يجعلوك

في حالة خلاف دائم مع هذا الآخر، كي لا تفكر بقضيتكَ المركزية وهي ضياع

فلسطين؟

هل حاولت أن تتعاون مع هذا الآخر لوئد الفتن وأبعاد كل شر عن وطن ومجتمع

يضمكما معاً؟

 

بالله عليكَ فكر وأنت تقرأ؟ ابحث وانتَ تقرأ؟ غربل ما تسمع وما ترى؟ تخلص من

منظار الحقد الأعمى واستخدم منظار الحقيقة.

 

ماذا أريد أن أقول؟

أريد أن أقول لماذا لا نتحاور بمنطق وعقلانية مع الآخر، لنفهم فكره ونوضح له

حقيقة فكرنا؟ لماذا لا نجتمع لنضع حداً لتفرقتنا بإسم الدين وبإسم الله، لعلنا عندها

نصبح... "نحنُ" مجتمع الانسان المتمدين الذي يعي حقوقه وواجباته ويتعاون مع

جاره ورفيقه وأخيه لتحقيق مجتمع انساني أفضل؟