أزهار الأوطان

أزهار الأوطان

يستمد الورد بياضه من رفات شهداء الواجب والحرية
وعشاق الأوطان وحُماة ترابها

ومن رفات أمهات وآباء دفعوا زهرة شبابهم من أجل الأجيالالحبيبة.


أما العشاق المتبرّدون بنار الوله
والمنصهرون بنيران الفراق
فيعطونها لونها الأحمر القاني.

وتمنح رفات الأصدقاء مختلف ألوانها
للزهور العابقة بعطور ذكراهم
الجميلة.
طوبى لكَ من ترابٍ يختلط برفات عشاق الحرية والحب
والعطاء.
 

والدي ما أروع قلبك

    
والدي ما أروع قلبك


يوم توفيت والدتي الحبيبة، لم يكن والدي قد تجاوز بعد الأربعين من عمره، وكنتُ أنا ولده البكر وقد  تجاوزتُ للتو
سنواتي الخمسة عشر أما شقيقي الأصغر فقد كان في العاشرة من عمره. إذن كنا شقيقي وأنا حدثان وما زلنا في أمسّ الحاجة اليها، إذ لم نكن قد وصلنا الى شاطىء الرجولة بعد، لذلك فقد وجهنا إرتباطنا الروحي الى والدنا الذي تربطنا به أساساً علاقة وطيدة تكاد أن تكون تعلقاً لا مثيل له بين أولاد ووالدهم. لقد أصبح بالنسبة لنا الأم والأب وجميع الناس من حولنا. كل هذا ولم نكتشف سوى متأخرين جداً أننا كنا نحمِّله فوق طاقته، وأننا تعاملنا معه بأنانية ما بعدها أنانية، لا بل أننا تمادينا في إيلامه، أنا خاصة، لدرجة أننا حرمناه من الهناء وراحة البال. كل ذلك وهو لا يشكو ولا يتذمر بل يأخذنا باللين والمسايرة والدعاء القلبي بأن يهدينا الله الى ما فيه هدوء حالنا وحاله معنا.
      أمضينا عاماً في حداد على والدتي، ووالدي يعتني بنا، ويؤثرنا على راحته الشخصية، الى أن أصبحنا نسمع من جدتي كلاماً جديداً لم نستوعب كنهه فوراً، وقد كان الكلام عن وحدة والدي وعن ضرورة وجود إمرأة في المنزل، موضوع رفضه عقلي الباطن لدرجة أنني أقنعتُ نفسي أن جدتي بالتأكيد تريد القول بأن على والدي أن يستحضر خادمة لتعنى بشؤون المنزل، لأنها هي جدتي أصبحت عجوزاً ومتعبة.

      بمناسبة إنتهاء العام الدراسي الذي أنهيناه، شقيقي وأنا، بنجاح، فقد دعانا والدي الى تناول الغذاء في مطعمِ نختاره نحن على ذوقنا، وأمضينا نهاراً رائعاً برفقة والدي الذي فاجأنا بهدايا ثمينة بمناسبة هذا النجاح.
عدنا مساءاً الى المنزل تملأنا السعادة والهناء، فطلب منا والدي أن نعقد إجتماع عائلي كي نتباحث في أمر هام.
لن أدخل في تفاصيل اللقاء والأحاديث التي جرت، لكنني سوف أختصر لأقول أن والدي قد إستأذننا بأنه يريد أن يتزوج. أمر أذهلني وشل تفكيري، والفكرة الوحيدة التي ترسخت في ذهني يومذاك، هي أن إمرأة غريبة سوف تأتي لتحتل المنزل وتأخذ مكان أمي في حياة والدي. وهذا أمر رفضته طبعاً وقدمتُ لتبرير رفضي كل الحجج الممكنة التي لم تقنع أحداً، وخاصة جدتي التي أصرت على أن والدي ما زال في ريعان الشباب وأنه بحاجة لإمرأة.
كنت في ذلك الوقت قد بدأتُ أكوِّن أفكاري الخاصة عن العلاقات الجنسية بين رجل وإمرأة، ولكن ولأن هذه الصورة كانت في ذهني مشوشة وضبابية، ولأنني لم أفهم ماهية الحاجات الجسدية والروحية لرجل أربعيني في عنفوان شبابه فقد رفضتُ زواجه وآلمته كثيراً بتصرفاتي وكلامي، لكنه كان كدأبه دوماً والداً عظيماً ذا قلبٍ مفعمٍ بالحب والتسامح، فقد أصرّ على محاورتي بهذا الموضوع الى أن أقتنِعْ نهائياً بأنه سيبقى الى الأبد والدنا وأن لا إنسان ولا شيء سوف يبعده عنا... فوافقتُ أخيراً لا لشيء، فقط لأجله هو، فقد كنتُ أحبه وأريد أن أرضيه.

      وأتت المرأة الغريبة الى المنزل، فوضعتُ بيني وبينهاً حاجزاً كبيراً منذ اللحظة الأولى، ولم أسمح لها بتخطيه مهما حاولتْ. وأنا اليوم أعترف بأنني قد أتعبتها جداً، فقد حاولتْ المسكينة المستحيل كي تزيل هذا الحاجز، لكنني كنتُ أمعِنُ في إيذائها وفي إيلام والدي، لكن لا والدي ولا هي، وأشدد على كلمة، ولا هي، قد عاقباني يوماً على ما أفعل أو أقول، بل كانا يحتويان الموقف بكثير من الحكمة والتروي، الى أن أهدأ قليلاً، فيسير المنزل هادئاً فترة من الوقت الى أن أجن مجدداً فأعاود إثارة المشاكل... وهكذا مرت السنوات.

      أنا اليوم في الأربعين من عمري، متزوج ولي أولاد، وأعيش حياتاً أشبه بالجحيم، فزوجتي إمرأة أنانية ومستهترة ولا يهمها من وجودي سوى مردودي المادي، أما الشراكة الروحية والإرتباط المعنوي بيننا فمعدوم، لا تربطنا هواية مشتركة أو يقرِّب بيننا أهتمام واحد. هي في عالم تفاهة التسوق ومعاهد التجميل وأنا في عملي وإهتماماتي الأدبية.
ماذا يبقيني معها؟!... طبعاً الأولاد.
     الآن فقط وعيتُ أهمية أن يكون مع الرجل إمرأة تشاركه في أدق تفاصيل حياته، إمرأة تمنح من روحها بكل حبٍ وحنان، إمرأة تنشر الدفء في الزوايا والحرارة في القلوب، إمرأة أعود مساءاً الى بيتنا لأجلها، وأنجح لأجلها، وأفخر بحياتي معها. الآن فقط أدركتُ أن الأولاد يملأون جزءاً من مشاعرنا، لكن الرجولة فينا لا تملأوها سوى إمرأة تجيد فن التحاور مع حاجاتنا ومتطلبات رجولتنا وشبابنا.
      أولادي الأعزاء سامحوني، فأنا أحتاج لإمرأة تشاركني حياتي، وتملأ الفراغ في قلبي.
والدي أيها العظيم في أبوته، والعظيم في رجولته، سامحني على كل سنوات الطيش والولدنة وعدم الفهم التي عشتها معك وآلمتك بها أشد الألم، في وقتٍ كنتَ لا تمنح فيه الا الحب والتفهم والإستيعاب، الأمور التي ما زلتَ حتى الآن تغمرنا بها، شقيقي وأنا، بكل ما في قلبك من طيبة وروعة.

Twitter Bird Gadget