أعياد وحروب




الأعياد مناسباتٌ حمقاء

في زمن وأد النساء

وقتل الأطفال في المهد.









سانتا يثأر للعصافير



ارتدى في العام المنصرم أسود الحداد، أمام فاجعة موت الأطفال 
 تحت آلة حروب ثورات الربيع العربي المتنقلة.


وأمضى عامه حزيناً وهو يشاهد لونه الأثير - الأحمر- يُنتهكُ بريقه الرائع، لتصبح إراقته هدف القتلة في جميع أنحاء العالم، وليصبح الأحمر علم دولة موت
 الأطفال المعلن أمام كاميرات العالم،
   وكأن هذا العالم فقد ضميره وأصيب بهستيريا اللامبالاة أمام موتهم تحت مسميات مخزية من عاصفةٍ
 وربيعٍ وحزمٍ وحسمٍ و.. و...




ولأن لهذا العام بركته الخاصة، بذكرى مولد رسولين من أعظم أنبياء الله ورسله... رسول المحبة محمد (ص) ورسول السلام
 عيسى (ع). 
فقد قرر أن يستمد من قوة إيمانه طاقة حبٍ
يمطرها على أطفال العالم أجمع، كما قرر أن  يُهدي لون دماء الأطفال الشهداء
 لزعماء صمّوا آذانهم عن صراخ الأمهات الثكالى. قرر أن يهديهم لون دماء الأطفال
 لتلعنهم مع تسبيح الملائكة. ستكون هديته، لكل قاتلٍ وردة حمراء بلون دماء الضحايا
 تذكره بهم  وتقضّ مضجع راحته، إن كان في احساسه بقية من ضمير!

فها هو قد أعاد حياكة بدلته الحمراء، ليذكِّر العالم بأن الأحمر لون الحب لا الحرب.




شتاء الانتظار


منذ ألف شتاء انتظرك



ومنذ ألف شتاء



تمطر سمائي



عطركَ والغياب.




ذكريات الحرب





أقف أمام المرآة، تنظر إليَّ بتحدٍ. أهرب منها إلى سيارتي، أجدها 

تجلس على المقعد بجانبي

 وتحاول أن تأخذ مني القيادة.
 

أفتح باب السيارة وأرمي بها

 خارجاً، تقف أمامي وتلوح بيدها... 

اقترب... اقترب... بسرعة... بسرعة أكبر... أدهسها!
 

أنظر في المرآة وأنا أهرب من جثتها، أراها تمد لسانها لي.

قبل أن





قبل العشق بلحظة


أجمع أشلائي المبعثرة... وأهرب



كعصفورة تعشق شجرة في الحقول. 



 

المراهِقة





صبية بدأتَ أنوثتها تتفتح على دنيا مبهرة.


لكن ما إن يجد قلبها إستقراره 

ويعي حقيقة ما يحمل من 

مشاعر، وما إن تجد تفسيراً 

لجميع أهوائها وتفهم أنها 

إنسانة لأنها تحمل 

تناقضاتها، فإنها سوف تنسجم

  مع حياتها وقدرها، لتقتنع في النهاية أن الحياة جديرة بأن تعاش

 بجميع تناقضاتها  وإنفعالاتها.

بعد الأوان


 
تجللهم الشيخوخة بوقارها، يتعممون بالصمت، وإن نطقوا قالوا الحِكَم وأهم فلسفات الحياة. إنهم كبار السن ذوو العقول الراجحة 
 المجبولة بأعمق تجارب الحياة.

رأيتها على كرسيها المدولب، تتأمل البحر. فهالتني الهيبة المحيطة بها، منديلها
الأبيض عكس هالة من نور الشمس الغاربة حول وجهها الوردي فازدادت جمالاً
وفتنة، هي المرأة السبعينية التي تحمل تجاعيدها ألف حكاية وحكاية، ولعلها الآن
ترويها للبحر.
كنتُ يومها أمشي وحيدة والدموع مرافقي، لقد تشاجرتُ مع زوجي بسبب سوء
أخلاقه، وشكه الدائم بي.
جلستُ على المقعد المقابل لها لألتقط أنفاسي، ولامسح الدموع التي أغشت بصري.
اقتربت مني بكرسيها المدولب وقالت "أتبكين يا فاتنة؟!" فأجبتُ "إسمي ندى لا فاتنة".
 ضحكت العجوز وقالت "حسناً بما أنكِ تملكين حس الفكاهة فهذا يعني أن حالتكِ ليس ميؤوس منها".
 فقلت "وما أدراكِ يا أمي بحالتي" ابتسمت مجدداً وقالت
"لستُ أمك فلو كنتُ أمك لما تركتكِ تصلين إلى هذه الحال".
 مدت لي يدها مصافحة وقالت "هل تقبلين التحدث إلى عجوزٍ 
 مثلي؟".
  صافحتها وأنا أقول "شرف لي يا أمي".
 عدلت جلستها وأحكمت الشال حول كتفيها وصرفت خادمتها وقالت "حسناً هاتِ ما عندك؟ ما الذي يبكي هاتين العينين الجميلتين؟"

ووجدتني أحدثها وكأنها فعلاً امي، أخبرتها عن كآبتي عن وحدتي وعن الأسى في عمري. 

انتهيتُ من قصتي فابتسمت وقالت "لن أعطيكِ المواعظ بل سأخبركِ بقصتي وأنتِ حللي الموقف وأفهميه كيفما شئتِ".
 فقلتُ "تفضلي".  فقالت: "ذات يومٍ وقبل أن أبلغ الخامسة عشر
 من عمري، استفقتُ ويدٍ تلمس يدي، فتحتُ عيني فإذا بجارتنا تمسك بإصبعي وتلبسني خاتماً. قيل لي يومها أنها تأخذ مقاس
 "محبسٍ" سيوضع في يدي.
وأخذتني غيبوبة الطفولة وسذاجة طفلة لم تكن تدري أن خاتم الزواج هو فعلاً "محبس".

واستفقتُ بعد أربعين عاماً لأجدني أماً لأبناءٍ ولدوا أمواتاً أو ماتوا وهم رضّع، والعجائز يقلن لي أنتِ تقتلين أبناءكِ بكمّ الحزن الذي
 تعيشينه، ولكن الفرح كان ترفاً محرماً على عمري، فلم يبقَ لي
 من الأبناء سوى شابة قبل أن تبلغ الثلاثون تزوجت الموت،
 وتركت لي نيران انتحارها لتحرقني كسعيرٍ يزداد مع الأيام اشتعالاً.
لماذا كل ذلك؟ لأنهم أفهموني أن طاعة الزوج واجبة، وأن صوت المرأة يجب أن لا يعلو على صوت زوجها/سيدها، فهو الآمر
 الناهي وهي عليها فقط السمع والطاعة.
زوج متسلط بلا ضمير وبلا أخلاق، همجي حقير لا يشببه أي كائن على وجه الأرض.
 بالغباء قادنا، وبالظلم حكمنا، وبعنجهيته الفارغة تسلط على حياتنا. ذقتُ في كنفه الأمرّين، ورأيتُ ابنتي تنطفىء أمامي
 كشمعة في مهب الريح. كنتُ كلما أحاول أن أطلب الطلاق، أجد
عائلتي أول من يقف بوجهي. ولا عجب بذلك، فهو أمام الناس
قديس يعبد عائلته قبل الله. فلم يصدق أحد شكواي يوماً.

إلى أن أصيب يوماً بجلطة دماغية دمرت قوته، وخلفته تحت رحمتي وعطفي. لكنني ما أشفقتُ عليه. كان يشتمنا ابنتي وأنا
 ليل نهار، ويكفر بالله لأنه فعل به ما فعل. وتركنا نحن
 "العاهرتين - كما كان ينعتنا-" بكامل قوانا.
طلبت الطلاق، لكن المجتمع بأسره حاربني، وقالوا عني ناكرة الجميل، أخذته لحماً وأريد أن أرميه عظماً.

انتحرت ابنتي هرباً من ظلمه بعد أن أصيبت بمرض نفسي قالوا لي يومها أنه اكتئاب حاد.
 لكن ألسنة الناس لم ترحمها وترحمني، بل لقد أشفقوا عليه هو لأنهم كتبوا القصة على مزاج غبائهم، فقالوا انها انتحرت بعد أن
سلمت شرفها لمن لم يصنها.
صدقتني عائلتي بعد فوات الأوان، بعد أن ماتت ابنتي واشتعل قلبي بنار فراقها، لكنهم ما وافقوني على طلب الطلاق، بحجة أن
 "الضرب بالميت حرام" وهو قد أصبح ما أصبح عليه، فلم يعد
 الأوان مناسباً للإنفصال بعد أن بلغنا هو وأنا من الكبر عتياً.
خدمته، وكنتُ ممرضته وبقي على قيد الحياة مريضاً عليلاً شاكياً ناعياً إلى أن أصابتني جميع أمراض الشيخوخة وخلفتني كما
 ترين، على كرسي نقال.
مات بعد صراعٍ مع المرض، ليلتها رأيتُ ابنتي في الحلم لأول مرة منذ أن توفيت
كانت تبتسم وتقول لي "مبارك عليكِ حريتك". 
وها أنا الآن حرة، من دون ابنتي، ومقعدة أعيش عالة على أخوتي وأبنائهم، وفي
قلبي تتراكم صخور الندم على طلاقٍ لم أجرؤ على السعي له". 

أمسكت بيدي وقالت "الأفضل دائماً أن نندم على شيء فعلناه، لا على ما لم نفعل...
هل فهمتِ ما أعني!؟"
ضحكتُ ضحكة مجللة وقلت "فهمت".

قبلتها على وجنتيها، اعطتني ورقة عليها عنوانها ورقم هاتفها وقالت "إن احتجتني يوماً ستجدينني هنا، إلا إن كان الموت
أسرع منكِ".