حرفٌ... في قصيدة




أعطاني الأول...

عقداً من اللؤلؤ...
 
أبيض... نقيّ...

بخلاف نواياه.






وأما الثاني...

فقد أهداني

قصيدة شِعر...


قال فيها...

أن شَعري ليل سهره

وأن أنوثتي معبد عشقه...



فأخترتُ أن أرتدي القصائد.

قدرٌ... أحمقُ الخطى



ســأثقب فنجـــان قهوتــي

لعلك تتسرب أيها الغائب
 
مــن أقـــدارٍ مرســـومةٍ
فــي ذاكــرة فنــــاجيني.










وحيدة



تتهادى حياة البعض

كإنســـــيابية نــــهر






أمـــــا حيـــــاتي أنا

فنهـــــــــر هــــادر

يجـــــــــرف مـــن

حولـــــه الــــورود

ويغتال الفراشـــات

والزهور والعصافير





إمرأة وحيدة أنـــــا

كحـــــرفٍ زائـــــدٍ

لا معنـــــى لـــــــه

فــــــي صفحــــــة

روايــــة فاشـــــلة.

قمح الحنين




قمـــــــح الحنيـــــــن...

غذاء عصافير حكاياتي

كلمــا اشـــتقتكُ أكثـر...

غــردتْ العصــــافير...

 وتعرشــت القصـــائد...

سنــــــــــابل قمــــــــح.




تغريدة عصفور




صفق الباب وراءه وهرول مسرعاً إلى الخارج، وكأنه يهرب من عاصفة هوجاء يمكن أن تجعل منه هباءً منثوراً.
قاد سيارته بأقصى سرعة، كاد أن يطيح بجميع السيارات من حوله، لكنه لم يهتم، هو يريد فقط أن يفرغ طاقة الغضب من داخله.

قطع مسافة طويلة نسبياً وهو على هذه الحال، إلى أن شعر بنفسه يتخلص من الغضب قليلاً، فخفف سرعته.
وفجأة!... ومن دون سابق إنذار وفي مكان شبه خالٍ من الحجر والشجر والبشر... سمع تغريد عصفور!


لم يستوعب سبب وجود عصفور في مكان خالٍ كهذا. لكنه تساءل بينه وبين نفسه بأن "يا الله... ماذا يريد أن يقول هذا العصفور!؟"


عادت به الذاكرة إلى سنيّ طفولته، حين كان يذهب ووالدته برفقة الجيران إلى الأحراج الجبلية، حيث التراب والشجر... والأطفال منتشرون في كل مكان يلعبون ويمرحون.
ذات يومٍ، وبينما هو يلعب بجانب شجيرة صغيرة، سمع تغريد عصفور. اقترب من والدته وسألها "ماما... ماذا يقول هذا العصفور؟"
لكنه لم يذكر ما كانت الإجابة!
وكرر السؤال في نفسه "ماما... ماذا كان يقول ذاك العصفور!؟... وماذا يقول هذا العصفور؟"
وحدها والدته تعرف الجواب، كرر سؤاله طوال الطريق محاولاً أن يتذكر، لكن مستحيل... هو لا يذكر شيئاً. وحين أصبح على مشارف المحلة حيث يسكن، تذكر أنه مغترب، وأن آلاف الأميال تبعده عن وطنه ووالدته... ووالده الوحيد.




من يقرع بابها في هذا الوقت!؟... فتحت والدته الباب، فوجدته يقف فيه، على محياه تعبٌ... وإرهاقٌ... وحنينٌ مؤلم... وشبح ابتسامة ذابلة.
يا إلهي!... أهذا أنتَ يا بنيّ؟ أيعقل أنك تذكرتني بعد كل هذه السنوات!؟
ارتمى بحضن والدته وشهق بالبكاء!... فتساقطت دموعها وهي تضمه إلى صدرها.
أجلسته أمامها على الكنبة وهي تلمس رأسه ووجهه، غيرُ مصدقة أن أبنها الحبيب قد أصبح رجلاً. كانت تضحك وتبكي... وهو يبتسم مرتبكاً وتنهمر دموعه بصمت.


ولأنها حسبته قد عاد لمحاسبتها على الماضي فقد أخذت زمام المبادرة وبدأت بالكلام.
"عندما أحببتُ ذاك الغريب، كنتُ طفلة لم أتعدَ الخامسة عشر من عمري، وبطبيعة الحال أن والداي لم يقبلا بذلك، ومنعاني من رؤيته. وعندما بلغتُ السادسة عشرة زوجوني إلى والدك. لكنني لم أكن قد نسيتُ بعد الرجل الغريب ذاك، ولم أتقبل فكرة حرماني من الحب. لكنني تحملتُ معاشرة والدك لمدة عشر سنواتٍ لأجلك أنتَ، فقد كنتَ قد جئتَ إلى الحياة، ولم أعد أستطيع أن أهرب من حقيقة كوني قد أصبحتُ أماً.
لكن صورة ذاك الرجل لم تفارق خيالي، وبقي في ذهني شاب جميل الطلعة، فارسٌ شهمٌ بقي مخلصاً لي رغم سنوات زواجي. فقد أغلظ لي الأيمان بأنه لن يتزوج بعدي ولا حتى إحدى حواري الجنة، فبقي عازباً بانتظاري...
عندما بلغتَ أنتَ العاشرة من عمرك، كان والدك قد وصل إلى أسوء حالاته. مقامرٌ سكيرٌ... كرهته كرهي لعدو... وقاتلتُ بشراسة إلى أن حصلتُ على الطلاق. فعاقبني والدك بأن حرمني من حضانتك ومن رؤيتك. لكنني كنتُ غارقة في أحلامي- أو سمها أوهامي- بأن الرجل الغريب الذي أحبه سيعيدكَ إلى حضني بعد أن نتزوج، فهو يحبني ولن يقبل بعذابي.


... اتصلتُ به بعد الطلاق... وبعد طول عتابٍ تواعدنا على اللقاء في مكاننا المعتاد وعلى نفس الطاولة، لنستعيد ذكريات الماضي.
ولأنني كنتُ متلهفة لرؤيته، فقد ذهبتُ قبل الموعد بساعة، كي أجلس في الظل لأمتع نظري به قبل أن ألقاه.
جلستُ في مكانٍ قريبٍ من مكاننا المعتاد، حينما أكتشفتُ وجوده هناك على طاولتنا مع صبيةٍ، واضحٌ أنها تصغرني كثيراً في العمر.
لجمتُ دهشتي لأسمع ما كان يقول لها!... لقد كان يحدثها عن إمرأة مطلقة تلاحقه بعد أن ملت من زواجها. وأنه اليوم سوف يعلمها درساً في الوفاء، بعد أن يستدرجها للإعتراف بأنها ما أحبت سواه، فقط ليراها ذليلة أمامه، بعد أن تخلت عنه منذ أكثر من عشر سنوات وتركته نهباً لسخرية أصدقائه!
كان مشهد سقوطه من قلبي مروعاً... لقد أحسستُ وكأن قلعة حصينة قد انهارت فجأة بسبب هبة ريح خفيفة! يا إلهي... أيعقل أنني عشتُ في الوهم طوال هذه السنوات!؟ أيعقل أنه حقير لدرجة أن لا يقدِّر تضحيتي!؟  أيعقل أنني قد أحببتُ وهماً؟... رجلاً خيالياً لم يكن له وجود إلا في أوهامي!؟


عندما انهارت تلك القلعة، بانت صورة والدك أمام ناظري... واضحة وضوح الشمس وسطوع الحقيقة. لقد كان مغرماً بي، وكان يفعل المستحيل لأجل اسعادي! لكنني كنتُ منطوية على نفسي... باردة المشاعر كزوجة... جافة كأنثى... وصنمٌ كإمرأة في المنزل! لذا فقد كان والدك يخرج من المنزل غاضباً، هارباً من برودي وانغلاقي على نفسي. وأنا ولشدة أنانيتي وغرقي في أوهامي- تصورته مجرد مستهتر سكيرٍ مقامر، ولم أعد مستعدة لأن أسمع منه أي تبرير لأفعاله، يحاول أن يخبر به أهلي وأهله. لقد ظلمته ببرودي وانغلاقي على نفسي، وظلمتكَ أيضاً لأنني تخليتُ عنكَ وخضعتُ لأوامر والدك بأن لا أراك. وفي البداية والنهاية... لقد ظلمتُ نفسي لأنني تعلقتُ بوهمٍ... أنا نادمة لغرقي به طوال تلك السنين... وما زلتُ حتى الآن نادمة على كل ما فعلته وعلى كل ما حصل".

تنهد بعمق موجع وسألها "لماذا لم تعودِ إلى والدي؟"
"لأنه لن يسامحني... وسيعتبرني خائنة لا أستحق الصفح"
"لكن والدي أخطأ بحقكِ أيضاً... لقد اعترف لي بذلك منذ أن عدتُ من سفري... لقد كان يريدكِ أنثى ملتهبة المشاعر دون أن يحاول أن يفعل شيئاً لكسب حبكِ وقلبك. فقد كان يتصور أنه ولمجرد كونه غنياً فإن هذا سيجعلكِ حتماً تغرمين بهداياه وأمواله وبه في النهاية... لكنه نسي أن يعاملكِ كإنسانة لها مشاعر... كامرأة من لحم ودم ومشاعر وأحاسيس ورغبات".


شردتْ بأفكارها والدموع تترقرق في عينيها. فأراد أن يعيدها إلى الواقع فسألها "ماما... ماذا كانت تقول تلك العصفورة؟"
لم تفهمه... لكنه شرح لها الموضوع فتذكرت وقالت "كانت قد أضاعت صغارها بعد أن لعب الأطفال بالعش فغردت بحزن ونحيب، وعندما أعدنا لها أنت وأنا صغارها إليها فرحت، وغردت بفرح ورفرفت جناحيها"

شرد بفكره، وتذكر تغريد العصفور حين كان يقود سيارته غاضباً، بعد أن تشاجر مع زوجته بسبب إهماله لها... لقد كان العمل حياته... والحسابات فرحته... والغرق في العمل غاية متعته... لدرجة أنه حرمها من الإنجاب والأمومة التي تتمناها، مع أنها مستعدة لتحمل غيابه المستمر وانشغالاته لو أنها أم وبين يديها طفلٌ يملأ المنزل فرحاً.
وضعت أمه يدها على كتفه وسألته "ما بكَ يا حبيبي؟"
ابتسم وقال "ماما... لقد قررتُ أن أمنح عصفورتي صغاراً، لتغرد وتفرح".


أصطحب والدته إلى منزل والده. وكان هذا الأخير يقف على الشرفة بجانب شجرة الغاردينيا. وقفت وراءه ووضعت يدها على كتفه، التفتَ إليها وقال "أنا وأنتِ في ذاك الزمن لم نكن نعلم أن الحب الحقيقي هو انسجامٌ وأمانٌ ومودةٌ ورحمة، قبل المال وبعد المال... وأهم من المال. لذا فقد كنتُ أعرف انكِ ستعودين... وكنتُ بإنتظارك".

ابتسمت بوجهه فغرد عصفور بفرح.




دخل ابنهما إلى غرفته القديمة، وبدأ بكتابة رسالة الكترونية لزوجته التي تنتظره كي يطلقها!... وكان عنوان رسالته "سوف يغرد العصفور".





فكرة: سناء شباني
كاتبة قصص أطفال

بقلمي