سجينة الطابق الثاني عشر

  
سجينة الطابق الثاني عشر

     معلقة بين الأرض والسماء، تتناهبها الأفكار والهواجس في شقة واسعة الأرجاء، يسكنها البرد ليلاً نهاراً، وكأنه  لو جُمعتْ أجهزة التدفئة كلها داخل الشقة لن تفي بالغرض. فالبرد يعشش في الأماكن التي تشهد كل يوم حكاية انهزامها وانكسارها، هي المنذورة منذ صغرها للقضايا الكبرى كما أفهمتها أمها يوم نفذتْ أول إعتصام لها وهي مراهقة، لتسجيل موقف تجاه ما وصفته حينها بأنه حدٌ من حريتها، وتدخلٌ سافرٌ بحياتها. كان ذلك يوم منعها والدها من محادثة إبن الجيران لأنها كبرت على التعاطي مع الصبيان دون حسيب أو رقيب. دافعت عن حريتها دون أن تفهم المعنى  الكبير لكلماتها، هي الطفلة التي لم تتجاوز بعد الثالثة عشر من عمرها.                    
أشرق وجه أمها وهي تخبرها أن أفضل ما يمكن أن تفعله كي تنال حريتها هو أن تتعلم وتثقف نفسها كي تتولى قضية تحرير النساء من جميع أنواع العنف والتعسف الممارس عليهنَّ منذ بداية توليِّ الرجل زِمام أمور الكون والمجتمعات.                           ولم تفقه معنى لما قالته أمها، لكن هذه الأخيرة وعدتها أن تشرح لها كل ذلك حين تصبح جاهزة لإستيعاب عمق المشكلة، وأفهمتها أنّ كل ما عليها أن تفعله الى ذلكَ الحين، هو أن تتعلم وتتعلم ولا شيء غير أن تتعلم، مع ضرورة أن يحفظ ويعي  فكرها الصغير أن كل ما تتعرض له الآن من تسلط والدها ما هو سوى مرحلة عابرة يجب أن تتخطاها بنجاح.                                
أجالت  بصرها في أرجاء الشقة الواسعة... الباردة، التي يسكنها الصقيع ويعشش فيها البرد، رافضاً الخروج مهما حاولت أن تسيطر عليه.                                                     
"إذن هذا هو نجاحي يا أمي!". أين النجاح في عزلة تامة داخل شقة فاخرة البرودة، في الطابق الثاني عشر من بناء في أحد شوارع لندن الراقية؟. وقفت في النافذة تنظر الى لندن....لندن الباردة، المفعمة بالفخامة ... لندن الضباب ... لندن المطر المستمر منذ أربعة أيام دون توقف.
  ما الذي يربطها برفاهية البرد هذه؟... ما الذي يربطها بشقة أشبه بصالة عرض كبيرة لكل ما يقدر عليه رب المنزل من ترف؟ أيعقل انها واسعة هكذا كي تشبه المسارح اللندنية الراقية لتشهد كل يوم وعلى مدار الأيام ودون توقفٍ، مهزلة وجودها وسط البرد في شقة في الطابق الثاني عشر من أفخم مباني لندن؟... ودون أن يكون لها سبب مقنع لوضع حد لهذه المسرحية الهزلية التي بدأت تتحول الى دراما مغرقة في المأساوية!. انها مأساة ممثلة لكثرة ما ارتدتْ الأقنعة لم يعد لها وجهاً معروفاً. لقد غابت حقيقتها تحت الأقنعة المزخرفة بكل ألوان الرضا والقبول الذين عليها ان تظهرهما أمام الرجل الذي اختارها لتكون تسلية وحدته وبلسم جراحه... آه من جراحه العميقة
الباقية في روحه وروحها أبد الدهر.                    
                                            
   تابعت دراستها بكل الإصرار الذي زرعته فيها والدتها، بيقين من ستتغير حياته بعد نيل هذه الشهادة، هي ليست مجرد شهادة. إنَّ سعادتها كلها ووجودها وكيانها  المستقل مرهون بوجود هذه الشهادة. لأجل هذا الحلم كرست نفسها كليةً من أجل تحقيق حلمها وحلم كل النساء المرهونات لحساب إنتظار تغيير ما يُبدل حالهنَّ ويخرجهنَّ من عزلة الحريم هذه، المفروضة عليهنَّ وإن اختلفت الأساليب وإن اختلف الزمان والمكان.                                         
نالت شهادتها الجامعية في الحقوق يوم توفيت والدتها جراء الضرب المبرح الذي تعرضت له على يد زوجها المتسلط!... لماذا؟ ببساطة لأنها واجهته وأصرَّت على مخالفة أوامره حين قررت أنّ إبنتها يجب أن تعمل لا أن تتزوج العريس الذي أحضره على شاكلته.              
ولأن الحرب الأهلية كانت وقتها هي السيد والحكم، فقد وجد له محامياً عمل على تحريف القضية لتصبح قضية زوج يدافع عن شرفه أمام زوجة مستهترة تريد أن تأخذ ابنتها الى حياة المجون التي تحياها. وهكذا أقفِلتْ القضية والنعجة أصبحت هي المذنب في مهزلة بطلها رجلان...  ولم تنفع شهادة أشقاء المغدورة بأن شقيقتهم تعرضت للضرب المبرح فقط لأنها دافعت عن ابنتها حاملة الشهادة الجامعية في الحقوق، والتي يستحيل أن تقبل بتصرفات شاذة من أمها لو وجدت. لكن ....لا أحد يصدق شقيقاً مطعوناً في شرفه وقلبه.        ما زالت كلمات والدتها الأخيرة وهي تلفظ أنفاسها تتردد في ذهنها    " لا تعيشي مع هذا الوحش، غادري المنزل".                                                  
أوجد لها خالها مكتب محاماة تتدرب فيه، وكان المكتب لإبن مديره المباشر. وبدأت تدريبها تحت إشراف المحامي الذي أعجب بجهودها واجتهادها، فمنحها كل الإمكانات كي تثبت جدارتها. وهذا ما فعلته. لكن!... حصلت عملية سطو على بنك راح ضحيتها الحارس الليلي. والجناة لم يلقَ عليهم القبض إلا بعد أكثر من سنة على الحادثة، والمخطط للحادث كان... والدها!.
أثناء التحقيق أفاد بأن إبنته المحامية هي مَن أعطاه النصيحة بالفرار والتواري طوال هذه المدة. لكن القبض عليه جاء نتيجة وشاية من أحد أفراد العصابة الذي طمع بالمزيد من المال.                                 حتى الآن قد يبدو الخبر عادياً، لكن تبعاته لم تكن عادية أو منصفة إطلاقاً، لقد أوقفتها نقابة المحامين عن العمل وقدمتها للمحاكمة. وحين لم يثبت عليها الجرم، قامت النقابة بعمل إحترازي ومنعتها من مزاولة المهنة، بعد أن ارتبط إسمها بعمل إجرامي كهذا. وخاصة أن والدها هو المخطط الأول للعملية.                                                    وهكذا أصبحت عاطلة عن العمل في منزل خالها الذي سرعان ما ضاقت زوجته بالوضع وأصبحت تتذمر من كل شيء وكأن إبنة أخت زوجها قد جلبت معها الى هذا المنزل النحس وسوء الحظ.                                                                                          
وهكذا وجدت نفسها دون عملٍ في منزل بالكاد يتقبل وجودها. وبدأت مع مرور الوقت تصبح عبئاً ثقيلاً على كل من حولها.                                                               
    دخلت عليها زوجة خالها يوماً ووجهها يحمل البشرى السارة كما قالت. أخبرتها أن جيرانهم القادمون من إحدى الدول العربية يبحثون لقريبهم المغترب عن عروس تكفيه شرَّ الوحدة والغربة.           ووجدت نفسها أمام خيارين... القبول بعريس لم تره يوماً... أو البقاء مع زوجة خالها التي أوحت لها بأنها ستحول حياتها الى جحيم إن لم تتزوج وتضع حداً لوجودها بينهم...            
وتزوجته...                                                                       من ناحيته كان رجلاً صريحاً وواضحاً، فقد أخبرها بقصته كاملة، كان متزوجاً من إمراة مواطنة بلده وقد أنجبا ولداً وحيداً قبل أن يحصل على فرصة للعمل في لندن ككاتب صحفي. لكن زوجته ربيبة القرية قد بهرتها لندن ببريقها، سرعان ما سرقها البريق من أسرتها، فأرادت أن تحيا حياتها بحرية مطلقة  دون وازع من مسؤولية أو ضمير!... وهكذا طلقها وأصبح وحيداً مع طفل صغير، حتى أمه نبذته ورفضت تحمل مسؤولياتها تجاهه.
... ووجدت نفسها تتقبله، أقله انه متعلم وعلى مستوى ثقافي، فهو إذن رجل يمكن التفاهم معه والعيش بقربه، خاصة انه يعرف كل شيء عنها وقد أبدى منذ أن تعرف اليها تعاطفه معها ضد كل الظلم الذي تعرضت له، بسبب والد لم تختره بارادتها... ومن منا يختار والديه؟!...                                                                                           
وهكذا وجدت نفسها تسكن شقة واسعة باردة الفخامة، في الطابق الثاني عشر في بناء من أبنية لندن الراقية،  مع زوج قمة في التهذيب والرقي والبرود الإنكليزي... وطفل صغير من ذوي الإحتياجات الخاصة الذي يحتاج للرعاية على مدار الساعة.                         
 القت نظرة على الطفل النائم بوداعة، دون أن يعي ما سببه وجوده لها من مأساة... إذ لعل والده أراد الزواج تحديداً لأجل أن يجد لإبنه من يرعاه أثناء غيابه. أما عن وحدة هذا الزوج فلا شيء مؤكد، فعلى ما يبدو هو من الرجال المهمّين في لندن، مهمٌ لدرجة أنه قد تنقضي أيام لا يجد فيها متسعاً من الوقت لرعاية طفله، أو عروسه التي تزوجها منذ بضعة أشهر فقط. عروسه التي  سرعان ما نسي وجودها، وإذا التقاها صدفة في المنزل، تعامل معها ببرود وتحفظ جنتلمان إنكليزي مع كونتيسة قادمة من القرن الرابع عشر، دون أن يلاحظ حرائقها أو فوران دم شبابها الذي آثر دفنه مع طفل معوق، بين أربعة جدران باردة في بلد أكثر برودة من حياتها الخاوية من أي حس أو وجود بشري.                                                      
طبعاً لم يكن مسموحاً لها بالخروج وحدها، لأن لندن كبيرة على صبية غريبة قادمة من الشرق حيث الكل يتكلم لغة واحدة. لكن السبب الغير مُعلن كان غيرة زوج يحمل عقدة من زوجة سابقة شاركه فيها الكثير من الغرباء.                                                                وتقبلت سجنها في شقة واسعة وباردة مع طفل معوق، وخادمة تصرّ على أن تفرض رأيها بكل كبيرة وصغيرة، فهذه لندن يا سيدة... هنا لا أسياد ولا عبيد.                           
وحاولت أن تصنع من معرض الجليد هذا، منزل زوجي، فتفننت بالقيام بكل ما من شأنه أن يلفت نظر زوج ما زال في ريعان شبابه. لكنه كان يقابل إغراءاتها بالإبتسامات الودودة، كتلك التي نلقيها في وجه طفل بريء يحاول أن يسترعي انتباهنا بعيداً عن شؤوننا الهامة جداً.  ولم يأبه تلك الليلة لكل محاولاتها بالتقرب منه  أو حتى لمسه لقد كان مشغول الفكر لدرجة أنه بالكاد بادلها قبلة لا حرارة فيها، وأدار ظهره لينام.                                                
هل كان حقاً نائماً أم يتظاهر بذلك كما تفعل هي في معظم الأحيان، حين تمتنع عن الحركة كي لا توقظه، وتتظاهر بالنوم في وقت تتقاذفها فيه الأفكار لتأخذها الى عالم تشرق فيه الشمس، عالم فيه حبيب تشتعل في دمائه نار الشوق واللهفة.                                
" عدم القدرة على النوم والإمتناع عن الحركة: إنه منزل الزوجية" تلك هي جملة كونديرا الشهيرة التي وصف بها حال الكثير من الأزواج في عالم التظاهر، إبقاءاً على زواج لا ندري أحياناً لما نُبقي عليه.                                                                              
وقفت طويلاً في النافذة  تنظر الى البعيد، هناك حيث لا برد ولا وحدة ولا سجن، ولا بروتوكول إنكليزي، هناك حيث تستطيع أن تتحرك بحرية، أن تخرج ساعة تشاء وأن ترافق من تشاء. هناك حيث زوج يعي صباها وحرائقها وثورات كيانها...                             
كالمعتاد عندما تريد منه شيئاً إتصلت به وطلبت منه موعداً على العشاء، فوافق على الحضور باكراً الى المنزل.      
 الكثير من القرارات الهامة أتخذتها خلال النهار... لكن ما حصل بحضور قريبته التي تزور لندن لبضعة أيام الغى كل خططها.    
    بعد تناول العشاء، دعاها الى مكتبه ليستمع الى ما تريد قوله.   فأخبرته أنها شعرت خلال النهار بوعكة، فنصحتها قريبته بإجراء فحص للحمل... هنا نظر اليها بإنتباه... فقالت والدمع يكاد ينفجر من عينيها أنها حامل... إبتسم بود... لا بل بسعادة وقال إن ذلك أفضل ما يمكن أن يحصل له ولها.                                                      
وقال بإبتسامة مشرقة " الآن سوف تهدئين وتصبحين مسؤولة أكثر، فالأمومة لا يليق بها الطيش والنزوات العابرة".  

  جالت في الشقة الباردة وتأملتها ملياً، وحين وصلت الى صورة أمها وضعت يدها على بطنها الشاهد على هزيمتها وقالت " إنه إنتصاري الثاني يا أمي على سجن الحريم، فها هو طفل قادم ليربطني بهذا الجنتلمان الإنكليزي أكثر من الإنكليز أنفسهم".                                      
Twitter Bird Gadget