ترانيم الحب


عشق

الريح في الخارج عاصفة هوجاء، تذر ولا تبقي، تعرّي الأشجار من أصفرها الذابل، وتبعثر أوراقها كمثل تبعثر كيان عاشقٍ ينتظر حبيباً لا يصل. 
وقف على شرفة منزله، مشرعاً صدره للريح، وفي رأسه يتردد سؤال منذ أن رآها  "هل تشعر بي؟ ماذا أفعل؟"
صديقته هي منذ مدة، يجمعهما الرسم... والفقر هو العائق، فلولاه لكان رمى حريته بعيداً، وربط روحه مع روحها في رحلة تستغرق عمراً... وعشقاً. 


صقيع

وقفتْ في النافذة تنظر الى الأبيض يفترش الأماكن كسجادة صلاة ناصعة تنسجها أيادي الملائكة.
كانت تعلم انه يقف في شرفة منزله، وانه كالمعتاد يراقبها... يعتقدها لا تشعر به، لذلك يبذل جهوداً مضاعفة للفْتِ انتباهها... لكن ما لم يكن يعرفه هو أنها تشعر بكل نبضة من نبضات قلبه...
وأكثر هي تبادله مشاعره... كم تمنتْ دفن الماضي، واللحاق بمركب عواطفها المتجهةِ نحو هذا الرجل الإستثنائي. لكن!... كم يتعذب الأبناء في دفع ثمن أفعال والديهم. فلو نسيتْ هي، فالمجتمع لن يسمح له هو بأن ينسى.
لقيطة هي لا يعرف لها أهل!... وهو في مركزٍ إجتماعي مرموق.



الأرواح الصديقة

 نزعت نظاراتها ودعكت عينيها، انها تجلس أمام جهاز الكومبيوترمنذ الصباح، اذ ما إن وصلت الى مكتبها حتى بدأ العمل يتراكم أمامها بسرعة كبيرة.
فجأة دوى صوت رهيب اهتزتْ له الأرض تحتها. اجتمع الموظفون في الممر يتساءلون عما يكون هذا الصوت، وحين اتفق الجميع على انه صوت انفجار، ركضوا الى جهاز الراديو ليستطلعوا الخبر.
اكتشفتْ أن الإنفجار في المبنى حيث تسكن، فركضت ووراءها بعض الزملاء. حين وصلت كان المبنى قد تهشم والنيران تتصاعد من منزلها الكائن في الطابق الأول.
حاولت الصعود الى منزلها، لكن منعها رجال الأمن، ركضت الى رجل إطفاء ورجته أن يُنقذ أصدقاءها. فسألها ان كان في المنزل سكان... تلعثمت ثم قالت "مكتبتي... مكتبتي". فأهملها رجل الإطفاء إذ اعتقدها مجنونة، وقال بسأم "وهل هذا وقت المزاح". لكنها صرخت بأن هذا ليس مزاحاً ففي المنزل مئات الكتَّاب، مئات الشخصيات... هم من روح ودم، إنهم أصدقائي... أهلي... كل عائلتي. هم يشعرون... ويحيّون معي، أتحاور معهم... أغضب منهم... أفرح معهم... أحزن لأحزانهم... وأفرح بإنتصاراتهم".
لكن رجال الإطفاء لم يعيروها انتباهاً، فالأولوية لإخماد الحريق.
 بعد حوالي الساعة أخمد الحريق، فصعدتْ راكضة الى شقتها... غرفة مكتبها كانت متفحمة... لقد مات كل أصدقاءها... كل عائلتها!
وجلستْ على أنقاض الحريق، لتبكي حرقة روحها.


لابتوب

كانت تمشي الهوينا في طريق طويل، في نهايته منزلها. الطقس كان ربيعياً مشمساً، وقد خرج الناس من برودة منازلهم الى دفء الشمس.

فجأة!... وفي لحظات مرت بسرعة البرق، مرت بجانبها دراجة نارية، مد الشاب يده وانتزع منها الحقيبة... تمسكت بالحقيبة لكنه لم يتركها بل أحكم قبضته عليها فوقعت على الأرض ممسكة بحقيبتها... وجرها وراءه بضعة أمتار قبل أن ينتزع الحقيبة ويفر مسرعاً.
ساعدها بعض المارة مذهولين مما رأوه، ولامها بعضهم لأنها حاولت المقاومة، خاصة أنها آذت نفسها، فالدماء تتقطر من جسدها. 
... ولم تعرف كيف تخبرهم بأنها كاتبة، وأن في الحقيبة لابتوب فيه كل رواياتها وقصصها القصيرة. لم تعرف كيف تشرح لهم أن أبطالها لا يملكون غيرها في الدنيا، وانهم من دونها سوف يموتون بسبب الإهمال والملل. فهي من يسمح لهم أن يصولوا ويجولوا على أوراقها البيضاء، هي من يحييهم ويقتلهم... يوقعهم في المآزق ويخرجهم منها... يواسيهم في الملمات، ويربت على أكتافهم في لحظات الحزن... هي من ينقلهم من عالم الى آخر... ولأنها لم تستطع شرح كل ذلك، جلست على قارعة الطريق تبكي أبطالها.
                    

 الأميرة

طفلة أمها كبرتْ وأصبحت شابة يتنافس العرسان على كسب قلبها.
  عشرات الشبان تقدموا لخطبتها لكن العائلة رفضتهم كلهم، فلا أحد كان ذو قدر وقيمة يتناسب مع موقعها كأميرة مدللة في عائلتها. فلا الموظف نال الرضا، ولا العامل، حتى المثقف والمتعلم لم ينالا الرضا.
... حين أحبته، خشيت من ردة فعل عائلتها، فلا بد أنهم سوف يرفضونه كما فعلوا مع كثيرين قبله.
ولأنهم عائلة متطلبة فوق العادة، فقد اتفقتْ معه على أن يتزوجا دون إعلامهم.
واستفاقتْ العائلة يوماً على خبر مذهل. أميرتهم المدللة تزوجت "خطيفة" ورحلت مع زوجها.

أعطني حريتي


مترددةٌ... حائرة...
لا أعرف ما بي، لم أكن هكذا أبداً. كنتُ دائماً متأكدة مما أريد ومما أفعل. حتى عندما طلب أيمن يدي كنتُ واثقة من حبي له، ومن أنني أريد هذا الرجل بالذات لأكمل حياتي معه.
لقد عصف الحب في روحينا منذ اللقاء الأول. ولطالما حلمنا معاً بعش الزوجية، وبالحب الكبير الذي سيظللنا معاً.

لكن!... لا أعرف ما الذي أصابني، أصبحتُ أرتبك كلما طالبني أيمن بأن نعقد قراننا، وأجد الحجج كي أتهرب من هذا القرار. أصبحتُ مترددة في كل قراراتي، وحائرة أمام أسخف المواقف، لم أعد واثقة ومتأكدة مما أريد ومما أفعل. أمر آلم أيمن كثيراً، وتسبب كثيراً في إحراجه، لكنني لم أكن أعرف كيف أشرح له هواجسي.
أنا أعبد حريتي واستقلاليتي، وأيمن يحاصرني بحبه، ولا يترك لي فسحة لأتنفس بعيداً عنه .
فهو يفرض رأيه في تفاصيلي الأنثوية، يرافقني الى السوق، ويصرّ كثيراً على أن أبتاع أثواباً لم تكن تعجبني، فأصبحتُ كثيراً ما أرتدي ملابس لا تشبهني، ولا تشبه خط الموضة التي تناسبني وتشعرني بالأناقة. 
ولشدة ما يريدنا أن نتزوج بسرعة، فقد أصبح يتجاهل ترددي حيال اختيار أثاث المنزل، ويقرر هو ما يعتقده مناسباً. لكنني كنتُ لا أشاركه الرأي، الأمر الذي تسبب بشجاراتٍ كثيرة بيننا، يتهمني في نهايتها بأنني مترددة ولا أريد تجهيز المنزل لأنني لا أحبه. لكنني دائماً أقسم له بأنني أحبه. لكن!... أجدني منذ الآن أفقد استقلاليتي، وأفقد أهم ما بي، حماسي للزواج منه.

لم أكن أصدق أحياناً الجنون الذي سأفعله، سوف أربط حياتي كلها بهذا الرجل، الذي لا أعي إن كان سيترك لي مجالاً لأتنفس خارج إطار مصيري المرتبط بمصيره.

...وضعني أيمن أمام الأمر الواقع، وخيَّرني بين أن أصارحه بما يجري معي، أو أن نعيد النظر بعلاقتنا.
صارحته بهواجسي، وأخبرته كيف أنني أشعر بالإختناق، جرّاء إصراره على الإمساك بزمام الأمور وحده، ودون أن يترك لي مجالا كي أقرر وحدي، حتى لو أخطأتْ.
هو اعتبر أن حذري من تنفيذ الزواج بسرعة، واختناقي من محاصرته لي، له معنى واحد... أنني لا أحبه!

...واعتقد أنه ترك لي القرار النهائي بأن أكمل الطريق معه أو أن ينتهي كل ما بيننا . لكنه رحل قبل أن أقول كلمة الفصل.  





  

برد



البرد... يا الهي هذا البرد...
انه لم يكتفِ بأن يحتل كل أمكنتي وأزمنتي، بل انه تسلل إلى الروح وتغلل فيها عميقاً، محوِّلاً كل ذرة في وجودي إلى صقيع موجع.
ارتداني البرد، حتى لأخالني وقد قُدِدتُ من جليد... لم أعد أعرف إن كان صقيع الداخل هو سبب هذه القشعريرة الدائمة، أم أن برد الخارج هو سبب جليد روحي.

أنظرُ حولي، فأرى كيف تسلل البرد من داخلي، وغلف الأشياء، لكأن السرير والكنبة والمطبخ قد نحتوا من جليد... أم أن العكس هو ما حصل؟!
منذ سنوات طوال، أخالها بطول التاريخ السحيق، الزَمَني والدي على الإنتقال الى هذا الكوخ القابع على رأس الجبل، لأنه بإختصار قد راهن على منزلنا في لعبة قمار، وخسره. فانتقلنا الى هذا الكوخ، الذي تكرَّم به علينا صديق والدي، مقامر مثله طبعاً.

أحسد أمي بشدة لأنها اختارت أن لا تستسلم لهذا المقامر، فاختارت الموت لأنه أرأف بنا منه. اختارت جنة القبر، على جحيم هذا الزوج الذي أذاقها مُرّ العذاب منذ الليلة الأولى. ومع أنها تركتني وحيدة معه، إلا أنني اعذرها، وأحسدها على قرارها، إذا ما كان الموت قراراً نأخذه بإرادتنا.

وبدأت الحياة تشتد صعوبتها عليّ، فالبرد بدأ يتغلغل  إلى عظامي، إلى أن عطب مفاصلي، فأصبتُ أنا الثلاثينية بألم المفاصل، الذي حسم الطبيب أمره بأن أرجعه إلى البرد...
البرد يؤلم مفاصلي... والصقيع يؤلم روحي. وكوخنا لا تدخله التدفئة إلا فيما ندر، على حسب ربحه أو خسارته على طاولة القمار. وأرقبُهُ بحقدٍ وهو يتجول أمامي، ويعيش تفاصيله المقيتة بكل أنانيته وصفاقته.
أتاني مؤخراً بأحط قرار يمكن أن يأخذه والدٌ بحق ابنته. لقد قامر عليَّ لصالح صديقه مالك هذا الكوخ البارد! وصديقه كسب الرهان، لكنه خسر منزله، لذلك سوف ينتقل منذ هذه الليلة للعيش معنا في الكوخ، على أن يتم زواجي منه خلال بضعة أيام.
وأمضيتُ ليلي كما يمضيه مجنون أثناء نوبة عنيفة. كنت أبكي لساعات... ثم أطلق ضحكات هستيرية... فأنا ابنة مقامر، وسأصبح زوجة مقامر، فهل من هناءٍ يشبه هنائي؟!! 

أشتدَّ البرد، الثلج يتراكم في الخارج، والصقيع يشتدَ في الكوخ، وحقدي يمتدّ في روحي.
تأملتهما مساءاً عائدين من لعبة قمار، يبدو انهما خسرا فيها كل ما يملكان، فقد عادا دون وقود للمدفئة. وأكتفيا بالعدس لعشائهما.
تلك الليلة اتفق من هو والدي مع الزوج المنتظر، أنه لن يُغيّر حظهما سوى زواج سريع، وأبلغتُ "الخبر السعيد!"... سوف يُعقد القران غداً.

أخلدا إلى النوم كثورَين أنهكتْ قواهما في الفلاحة. وجلستُ أنظر حولي، أفكر بهذا الرجل الغريب الذي سيعطيه والدي غداً، الحق بأن ينتهك جسدي وانسانيتي، كما سبق له هو أن انتهك عمري.
ولم أنجح بتدفئة نفسي... طمرتُ نفسي تحت البطانيات، لكن جسدي ما زال يرتجف، وروحي ما زالت تتألم.

فجأة تنبَّهتُ إلى ما حولي!
لقد كان أثاث المنزل المتهالك  من خشب، وجدران الكوخ من خشب، وأنا أشعرُ بالبرد... البرد... وجدتُ في أسفل القارورة بقية من مادة الكاز، حرصت على توزيعها بالتساوي بين أرجاء الكوخ، ومنحتُ الرجلين بعد أن قيدتهما الى سريريهما، عود ثقابٍ مشتعل.

وجلستُ أراقب النيران تمتدّ... وتمتدّ...
أكملتُ مذكراتي على صوت صراخهما، الذي ما لبث أن همد، ورأيتُ النار تقترب مني، صدق من أسماها الفرح الأكبر. فما هي سوى دقائق حتى أشعر بالدفء... دفء أبدي.
والآن سوف أرمي مذكراتي من النافذة، لأستمتع بالدفء... أنه الدفء أخيراً. 
 

...أ...ن...ث...ى


"ما فعلته هو خطيئة وأثم... لن يغفر لك الله هذا!"
هذه هي فتواك/القنبلة، التي ألقيتها في وجهي ذاك النهار. ولأنكَ وضعتَ أصبعُك في جرحي، فقد انهمرت دموعي، مطهِّرة كل ما فيَّ... سوى روحي التي وهبتها للشيطان...
في هذه الحكاية، أنا بنظر مجتمعي مثل "فاوست" الذي باع روحه للشيطان لقاء...
وهل يهم لقاء ماذا؟! فالمهم أنني قد بعت، وما يُباع بأبخس الأثمان، لا يعدو أن يكون أحط بضاعة في سوق النخاسة.


لعلك خشيتَ أن تغرقك دموعي، فآثرت الإعتذار، ومحاولة شرح موقفك...
موقفك!!... ومن أين استمديتَ حقك بأن يكون لك موقف تجاه أي من شؤوني؟!... آه عفواً، نسيتُ أنك "رجل" وقد أعطيت حق القوامة عليّ، أنا الضلع الناقص من صدرك العارم بالفخر الذكوري في حرملك القصر الذي أورثك إياه السلطان عبد الحميد... عفوا أقصد جدك الشرقي، الذي ترك كل آثام العالم، ليربط شرفه بشعر إمرأة!!‍‍‍‍ ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍
أستحلفكَ بكل ما تؤمن به، أليست مفارقة عجيبة ومضحكة ومؤلمة، أن يكون الرجال قوّامون على النساء،  في الوقت الذي يُطلب فيه من المرأة أن لا تأتي بأي فعل يفتن الرجل ويغويه؟ حتى لو كان هذا الفعل مجرد شعر يُسدل على كتفيها؟
فإن كانت عقول الرجال صغيرة لهذه الدرجة، كيف يكونون إذن قوّامون على النساء‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍؟
لن أتقمص دور "الداعية" لأبشِّر بالدين، ولأشرح الفرق بين "الشرع الحقيقي" والتفسير( وهو فرق كبير بالمناسبة) لكن دعنا نعود إلى نقطة الخلاف بيننا

ترى أيها الأكثر غرابة، أن الخلاف بيننا هو نقطة واحدة فقط؟... أم أن الغرابة في أن يكون بيننا ما هو مشترك حتى لو كان خلافاً؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍
المهم، ما حدث هو أنني، وبعد عشر سنوات، وجدتُ عملاً يتناسب وطموحي وكفاءتي وقدرتي على الإبداع... لكن الشرط الوحيد الذي وضع نصب عينيّ التقاليد التي تربيتُ عليها، هو أن أتخلى عن حجابي. أجل حجابي ولا شيء غيره، بمعنى أنني أملك كامل الحرية بأن أحتفظ بكل ملابسي، بإستثناء غطاء رأسي. وذلك ليس لدواع لا أخلاقية- لا سمح الله- ولكن لأن المجتمع من حولي، وهو ذكوري بطبيعة الحال، لا يسمح للمحجبة بأن تكون خارج إطار وظائف محددة الزمان والمكان، وأدوار معينة ضمن إطار واحد، لذلك طلب مني التخلي عن غطاء رأسي فقط، لفترة مؤقتة، إلى أن اثبت نفسي في المجال الذي استهواني طوال عمري، على أن أعيد هذا الحجاب بعد أن تتثبت قدماي على هذا الطريق... وهكذا كان.
بهذه البساطة ؟ ... أجل بهذه البساطة. 
وقد أتيتَ أنتَ لتعلن إستنكار جميع الرجال المعنيين، وغير المعنيين ربما، لفعلتي الشنيعة هذه.

ولا أخفيك سراً، فأنا حتى الآن لا أفهم سبب تنصيبك لنفسك معنياً بحياتي وتصرفاتي، فأنتَ  لستَ سوى قريبي من بعيد جداً... لعلك قريبي من الدرجة الخمسون... هل هذه الدرجة من القرابة موجودة؟ 
حسناً، إنها مجرد إستعارة لأوضح كم أنتَ بعيدٌ عن قرابتي.
ناولتني منديلاً لأكفكف دموعي، وعاودتَ الجلوس أمامي، مرتدياً جلباب حنان مصطنع، وندم لم تنجح أبداً في اظهاره. وادَّعيتَ أنك تفهم حاجتي للعمل، ولأن يكون لي مورد خاص، أصرفه كيفما أشاء في قنوات الموضة والصبا والجمال
ولكن ...
"هل تستحق حفنة من مال، ذهاب حجابك
هنا لم أستطع منع نفسي من الإبتسام لسذاجة الفكرة، ولتسطيح المشكلة بهذا الشكل، فأكملتَ كالواثق من نفسه وعبقرية تحليله وحلوله "حسناً، لقد أبديت منذ البدء رغبتي بالزواج منك، وهكذا أعيلك... وتستعيدين حجابك".
أرتسم على محيِّاك زهو وخيلاء أرخميدس حين صرخ  (وجدتها)، وتابعتَ "أنا أعلم احتياجاتك كصبية و ..."
ولم أستطع حبس بركاني زمناً أطول، فسمحتُ للضحك لأن ينفلت من عقاله. فإنكمشتَ  على نفسك في ركن الكنبة مذهولاً، ولربما قلت في نفسك "ما الذي أصاب هذه المجنونة؟"

وبعد أن تسللتَ هارباً من فيضان جنوني، عاودني بكائي المُرّ. أجل كان دمعاً مُراً، فأنا أندب صباي، أندب كرامتي المهدورة في محراب أفقك المحدود. أندب كياني الذي سحقته في آلة التسطيح التي قولبته فيها.
"... أنا أفهم... أنا أعلم... " 
كلا ... ومليون كلا... أنت لا تعلم. لا تعلم  لأنك لم تكن يوماً أنثى في عالم ذكوري بإمتياز، يمارس عليك خلال كل دقيقة من وجودك، رهابه من التفوق الأنثوي. يمارس عليكَ أحط أنواع الإستعباد.
لا تعلم ما معنى أن تكون أنثى في مجتمع مصاب بالشيزوفرينيا، يعلنك فصامياً، إذا ما تجرأتَ وخرجتَ عن قوانين ازدواجيته المريضة. يعلنك شاذاً إذا ما تصرفتَ كإنسان يملك روحه وجسده سواءٌ بسواء.
  لا تعرف... لأنك لا تعرف ما معنى أن تكون أنثى. فأن تكون أنثى، يعني أن تجمِّل جسدك وتهيئه وتزينه، لينال رضا شهريارٌ ما، فيبتاعه آلة يُنجب منها استمراريته. وفي المقابل على هذا الجسد أن يتجرَّع كل ألوان العذاب، حفاظاً على وجوده في منزل، مهما كان وضعه، فيه أطفال أنجبهم، هم بحاجة للمانح الأكبر الذي تعطف ومنحهم أسمه لقاء أن لا يقولوا له أف. على هذا الجسد أن ينسى تماماً روحاً تسكن حناياه، عليه أن لا يصغي لهذه الروح مهما علا صراخها. 
هل تعرف ما معنى أن تكون أنثى؟ ... معناه أن يقوننك ذكرٌ ما، حسب مزاج عنجهيته وصفاقته، حسب وعيه الكبير جداً،  بأن النساء ناقصات عقل ودين  (بالمناسبة الذكور تفسر هذا الحديث حسب قلة فهمهم، وليس حسب معناه تحديداً). وبأنهنَّ كالزيتون لا  " يحلين الا بالرص".
أن تكون أنثى معناه أن لا يجد فيك الذكور سوى جسد للتسلية. معناه أن لا يعي الذكور أبداً أن لكَ عقلاً يُحاوَر، وأن لا يعي الكثير من الذكور والإناث أن لك روحاً، بكل التناقضات البشرية. أن تكون أنثى، معناه أن يطالبك-لا بل أن يُلزمكَ- مجتمع الذكور، وأتباعهم من الإناث، أن تكون نعامة تدفن رأسها في تراب التبريرات الجاهلية، بأنه يحق للذكر ما لا يحق لغيره.
أن تكون أنثى معناه أن لا تريد، أن لا تشعر، أن لا ترغب، أن لا تختار، أن لا تحب، أن لا تتمنع، أن لا ترضى، أن لا تصرخ، أن لا تغضب، أن لا تتحدى، أن لا... وأن لا...

أنت لا تعلم... لأنك لا تعلم ما معنى أن تكون أنثى.
هل تعلم ما معنى أن تعيش وسط إناثٍ خاضعاتٍ، خانعاتٍ، مسلوباتِ الإرادة، مخدرات العقول، لا همّ لهنَّ سوى إقناع المتمردة من بنات جنسهنَّ، بأن أفضل ما يمكن أن يحصل لهنَّ هو الزواج، أي زواج، والإنجاب، لماذا؟! لأنه دورهنَّ الأوحد الذي خُلقنَّ من أجله! هل تعلم ما معنى أن يعتبرك مجتمعك غريب الأطوار، وأن يُسلم أهلك أمرهم لله فيك، فقط لمجرد أنك تُصِّر على الخروج من جنسك، لتعيش فكرك ولا شيء سوى فكرك؟!
هل تعرف ما معنى أن تُجبر على أن تنكر كونك إنسانٌ فُطِرَ على الحب، فُطِرَ على الحنان، فُطِرَ على الإختيار، لتكون دمية، مجرد دمية في مجتمع الذكور؟ هل تعلم ما معنى أن يستعمل ذكرٌ ما أنوثتك، في الوقت الذي يطالبك فيه بأن تُنكر أحاسيسك، لأن المرأة المحترمة لا جنس لها؟
هل تعلم ما معنى أن تحنط نفسك من الداخل، وأن تبث الأنوثة فقط في جسدك؟ هل تعرف ما معنى أن تصبح انسان من خشب؟ هل تعرف ما معنى أن تدخل سرداباً مغلقاً، ثم تضيّع هناك سبيلك للعودة؟ هل تعرف ما هي غربة الروح؟ هل تعرف ما هي قشعريرة الصقيع؟
إن عرفت كل هذا، فسوف تعلم ما معنى عاطل عن العمل... عاطل عن الإحساس... عاطل على هامش الحياة.



" أنا أعرف..."
إذن فهل تعرف ما هو الإحساس بالأمان؟
أنا لا أعرفه...
فما أعرفه، هو أنني أخاف أن يتحجر عقلي، أخاف أن يتيبس الهواء من حولي... ما أعرفه هو أنني أخاف من زمني الحاضر منذ سنوات، زمن حيث لا نيسان يزهر في حديقتي، حيث لا أيلول يلوِّن الأوراق بالأصفر... حيث أيامي خالية من الحدث، خالية من الحس، خالية ... خالية...

استفزك تخليَّ عن خِمارٍ صغير... ولم يستفزك صبايَ النازف على أبواب العمل!... لم يستفزك الحَجْر الممارس على إنسانيتي منذ فجر التاريخ! ولم تستفزك جهاتٌ معنية في هذا الوطن، لا وقت لديها لتختبر قدرات شبابه على العمل والإبداع! ولم تستفزك التوظيفات الطائفية والحزبية  والتحزبية والقبلية والعشائرية والزعاماتية و... ! 
ولأنني أصبحتُ أكره غريزة المرأة فيَّ، أكره تفاصيلي الأنثوية، أكره ذكور القبيلة، وأكره إناث المرايا، ولأنني مللت صبر الموتى وصمت القبور، سأتمرَّد على وصايا جداتي... سأتمرَّد على سلطة ذكور القبيلة... سأكسر المرايا والسيوف والقيود وقوالب الجليد من حولي. سأصبح غيمة تمطر ورداً وحباً على صحراء النساء... ألا تحررنَّ يا جواري.
 
سأرحل مع توأمي، سأتماهى معها لنصبح صرخة رفضٍ في وجه كل قبائل الجاهلية... سأرحل مع حريتي...
وإن أهدرتم دمي، أعدكم أنه سيكون له القدرة على تلوين المشهد الكالح... كما تلوِّن الحمرة، خفر العذارى.
 

حادث اجهاض


عدتُ مساءاً الى منزلي وقد أنهكني التعب. وقفتُ أمام المرآة أراقب هموم العمر تحت جفنيّ... وفجأة وجدتني أجهض!... 
دم شبابي أريق أمام ناظري، وأنا لم يكن لي حَول ولا قوة أمام ما يجري لي، لم أستطع حتى أن أضع حداً للسيل الذي يخرج مني منتشراً في كل زوايا غرفتي.

أفقدني الألم وعيي لفترة لا أعرف طولها، ثم استفقتُ وقد احتلني إحساسٌ أوحد... كنتُ أشعُر بالخواء. الإجهاض إستنزف كل ما بداخلي... فأصبتُ بحالة تشبه حالة إنسان أفرغوا أعضاءه من داخل جسده لتشريحه أو ربما تحضيراً لتحنيطه. وهكذا أفرغ داخلي وأنا صاحية، أنظر إلى نفسي في المرآة، وأراها تُفرغ عضواً عضواً أمام ناظري. وهكذا أصبتُ بالخواء.
فأين عمري؟... وأين شبابي؟... أين أحلام صباي؟... أين روحي التي كانت تشبه فرساً جامحاً يرمح في البراري، دون أن يتمكن ولا حتى أمهر الفرسان من ترويضه.
حين تخرجتُ في الجامعة كنتُ ممتلئةً صخباً وأحلاماً وطموحاً هادراً لتغيير كوني الذي يحيطني... لكن! الأبواب التي ما تزال تغلق بوجهي منذ سنوات طوال، قد أفرغتني من صبايا وطموحي وأحلامي ... ودمائي.
أنا إمرأة أجهضتُ عزيمتي وإرادتي على الحياة. لقد غادرني دم صباي، قطرة فقطرة، على مذبح هذا الوطن الديمقراطي!... اللاطائفي!... المؤمن بكفاءة الإنسان لشخصه!... لا لإنتماءاته التحزبية على أنواعها!!

اليوم، وقبل أن أعود إلى منزلي وأجهض... قد أغلق آخر أبواب العمل، بوجهي، بعنف. هو آخر الأبواب التي كان من الممكن أن أدخل منها من هامش الزمن إلى وسط الحياة، في هذا الوطن الذي يصر من يتزعمه، على إفراغنا من كل أعضائنا وأحلامنا، لتحنيطنا في متحف الوطنيات والشعارات الفارغة من كل معنى... وضمير.
وهكذا وقفت أمام المرآة أراقب نفسي تجهض كيانها...

وأنا أجلس في منتصف غرفتي، أراقب نزيف أحلامي، الذي انتشر من حولي... سمعت طرقاً على بابي، فتحاملت على نفسي لأذهب وأرى من الطارق، فقد كنت أسكن وحدي منذ أن ذهب أهلي إلى القرية طلباً للهدوء والسكينة.

 وكان الطارق هو دانيال.
داني، وهذا تصغير اسمه، هو جاري، شاب جامعي ضاقت به السبل مثلي، فتزوج مالكة البناء الذي نسكنه، والتي تكبره بأكثر من عشرين عاما... تزوجها بعد أن أغرته بالمنزل الفخم، ومحل يبيع فيه العطور... ويسلي نفسه بإهداء الأحلام للصبايا، أثناء غياب العجوز، المسافرة كثيراً إلى حيث أولادها منتشرون في هذا العالم. وهكذا كنا وحيديّ هذا البناء.
حالي وحاله المتشابهان، ربطنا بوثاق التعاطف وأوقع بنا في تيار الحب، الذي ما أزال حتى الآن أقاوم الوقوع فيه، لكن داني لا يمل المحاولة.

لم أقل شيئاً حين رأيته يقف في الباب، ابتسم بحنان وقال:
-  رأيتك تعودين وأقلقني حالكِ... هل من أمرٍ يضايقك؟
إستفقتُ وداني بجانبي، غارقٌ في نومه وأحلامه التي حققها... نظرتُ حولي، فرأيتُ هذه المرة أن دماء عذريتي هي التي تلوِّن المشهد، فعاودت التمدد بجانب داني... ولم أستطع أن أجد أي إحساس في داخلي... ما زلت أشعر بالخواء.
عندما إستفقنا صباحاً، كان داني فرحاً، كطائر يرقص حول نافورة ماء في حديقة خضراء.
تكلم كثيراً، ناثراً وعوده وأحلامه فوق دماء أحلامي وعذريتي. أخبرني أن "العجوز" زوجه، قد نقلت ملكية المحل لتصبح باسمه، وكيف أنها قريباً سوف تنقل له أيضا ملكية المنزل وربما البناء بأكمله، وهكذا...
-  سوف نتزوج... لا بل نحن الآن متزوجان أمام الله، لكننا سوف نعلن زواجنا قريباً جداً...  أعدك.
أحببتُ جداً ما منحني إياه، هذا الصباح، من إحساس بأن هناك من يهتم لأمري ويرعاني ويحوطني بالحب والحنان فأردتُ أن أتعلق برقبته، أردتُ أن أتمسك بما أعطاني من أمل، أردتُ أن أحيا فقط لأشعر بيديه تلامسني.
قبل أن يغادر المنزل قبّلني وقال:
-  لن أرضى بسواكِ أماً لأولادي.
وهكذا أصبح مساءاً لا يعود إلى منزله بل إلى منزلي... حيث يرعاني ويهتم بشؤوني ويشعل الحرائق في أنوثتي...
 إلى أن عادت العجوز من السفر! فتغير وضعنا، وعدنا لنكون جارين، بالكاد نتبادل التحية، فالعجوز لم تكن تترك داني وحده، حتى في مكان عمله، طالما هي في البلد.

... وسكنت في أرجوحة، وقد مزقني القيء.
ابتسم الطبيب بحنان أبوي، معتقداً نفسه ينقل بشرى الحمل لعروسٍ، ما زالت منذ ليلة زفافها تدعو لله أن تصبح حاملاً!... حين رأى الذعر في عينيّ انطفأت ابتسامته، وقد فهم أنه نقل لي خبر مصيبة، لا بُشرى حمل.

حين عدتُ قبيل الغروب، كانت سيارة إسعاف تقف أمام المبنى حيث أسكن، وكان شابان ينقلان العجوز زوجة داني على نقالة، تبادلنا النظرات داني وأنا، وصعد إلى الإسعاف، ملفوفاً بالصمت والغموض... ولم أفهم ما يجري.

جلستُ في غرفتي، وأنا أحاول إعادة ترتيب أحلامي حسب أولوياتها... زواجي من داني كان أولوياتي الوحيدة... أمام أمومتي لم يعد يعنيني أي شيء.

استفقتُ من شرودي، استجابة للمسة داني وصوته:
-  ما بك؟ لما هذا الشرود؟
إرتميتُ على صدره، فعانقني وأنا أردد:
-  خائفة... خائفة...
استطاع تهدئتي، وأراد أن يفهم ما أصابني... أخذتُ يده ووضعتها على بطني وقلت:
- انه هنا...
- ما هو؟
- حبك... أنه هنا... ابنك هنا.
صُعق! وهربت دماؤه من شرايينه، وأخذ يدور في المنزل وهو يقول:
-  لماذا؟... لماذا الآن يا الله؟... لماذا؟
جاء دوري لأهدّئ من روعه، وأقنعتُ نفسي أنه فرح للخبر، لكنه فوجئ لأنه حصل بهذه السرعة. لم أكن أريد أن أرى أن إمتقاع لونه لا يدل أبداً على السعادة.
وألقى في وجهي قنبلته:
- العجوز لا أولاد لها... لقد كانت تسافر بداية لأجل أن تعالج نفسها من العقم... ثم أصبحت تسافر لإجراء عمليات تجميل... والآن عادت لتقول أنها مصابة بالسرطان وأنها تحتضر...
- وماذا سنفعل؟
- أنا سأبقى معها، فهذا شرطها لأحصل على كامل الميراث...
أرعبني صمته فهززته وقلت:
- وأنا؟ ... ماذا سأفعل أنا؟
- عليك أن تتخلصي منه... سوف ننجب لاحقاً حين نتزوج بعد أن تموت العجوز.
لم ينفعني دفاعي المستميت عن أملٍ بدأ ينمو بداخلي، فداني لم يوافق على أي حلٍ قدمته، ولم يوافق حتى على أن أذهب بعيداً بطفلي، على أن يلتحق بي بعد أن تموت العجوز.
وقال بحدة ناهيا الموضوع:
-  سوف تتخلصين من هذا الطفل، وإياك أن تجرؤي على
مخالفتي.
خرج إلى الصالون وأجرى اتصالاً، ثم عاد وقال:
- هيا بنا... سوف نذهب الآن.
- الى أين؟
- سوف نتخلص منه الآن.

فتحتُ عينيّ، فرأيتُ الطبيب العجوز الذي سبق أن أخبرني بحملي، إبتسم بذات حنوّه الأبوي وقال:
- الم يكن الأجدى يا ابنتي لو أنك أخبرتني بما تريدين كي نتحاشى ما حصل معك؟!
تحاملتُ على آلامي وسألت بصعوبة:
-  ماذا حصل؟
قال متردداً:
- المرأة التي أجرت لك عملية الإجهاض... آذتكِ كثيراً... لقد نقلوكِ إلى هنا... وأنتِ على وشك أن... أن تموتي... لماذا فعلت ذلك يا ابنتي؟
- ولكن هل سأشفى من هذه الآلام؟
أطرق وقال:
- يؤسفني أن أخبرك... أنها آذتكِ كثيراً... لم يعد بإستطاعتك الحمل مجدداً.
... ملأتُ المستشفى صراخاً.
حين حقنتني الممرضة، كان داني يُمسك بي، ويقول شيئاً. وكان وجهه آخر ما أراه قبل أن أغيب عن الوعي.

داني اختار المال، وتركني أصارع بحر اجهاضاتي المتتالية وحيدة، فبالإضافة لكوني إمرأة الإخفاقات، أصبحتُ أيضاً إمرأة الإجهاضات.
فبعد أن أجهضتُ أحلاماً أمام رجل أردته أباً أوحداً لأولادي... أجهضتُ على يديه  طفلي... وأحلامي.

فهل يعرف الرجال ما معنى أن تجهضي طفلاً؟ ما معنى أن تجهضي حلماً ؟... هل يعرف ما معنى أن يُجهض إنسان أي معنى بداخله؟
هل يعرف الرجل، الفرق بين الإجهاضين؟ بل هل يعرف أوجه التشابه بينهما؟

داني،  ولأجل احلامه، أجبرني على الإجهاض. هو أجهض طفلاً لأجل حلم... 
أما أنا!... فالإجهاض قضى على أحلامي وآمال...
إجهاض أحلامي شوَّه في روحي منطقة الإرادة على المضي قدماً في الحياة. وإجهاض طفلي عطب قدرتي الأنثوية على الإنجاب.
فمن أنا؟ من هي هذه المرأة التي تقف في مرآتي؟... وأين الناس؟... أين أصدقائي؟... أين أمي؟... أين هي من أسقطتني في هذه الدنيا،  جنيناً لن يكتمل نموه أبداً؟

                                                                                                             

مذكرات شابة أصبحت في الخمسين



كنت أرفض الزواج دوماً، ليس لأنني أعيش قصة حبٍ مستحيلة، بل لأن ما كان بداخلي هو مجرد وهم وسراب، فقد حدث لي أنك
مررتَ أمام حياتي.

المسافة بيننا واسعة، فما يفصلنا هو مساحاتٌ من حقيقة وواقع،  جعلت الرباط الذي يأسرني بروحك، رباط من الخيال والأحلام.
ولأنك المسافر عن عمري دائماً، فقد قنِعتُ بإنسلاخي عنك، وأرسلتُ روحي لترافقك في جميع سكناتك وحركاتك.
ودارت الأيام... ومرّت السنوات... كبرت.

... التقيت به صدفة، فعبر حواجزي بإصراره، وأفهمني أنه الرجل الذي سيحول حياتي إلى سيمفونية رائعة من السعادة والفرح... فتزوجته.

بعد مضي حوالي خمسة وعشرون عاماً على زواجنا، اكتشفتُ حقيقة لم أكن أعرفها عن نفسي أبداً. اكتشفتُ أنني أعظم ممثلة عرفتها الحياة، ولم تشهدها المسارح. لقد مثلتُ دور الزوجة المحبة والمعطاءة والمتسامحة، رغم كل الأخطاء، طوال هذه السنوات.
فعندما اكتشفتُ انه لا يستطيع أن يجعلني أماً، بحثتُ عن الدور الذي يجب أن العبه في موقف كهذا، فكان القناعة والصمت وإخفاء الجراح. فأقنعت نفسي بالرضا عن أنوثتي المنقوصة وأمومتي المسلوبة، وتحولتُ إلى مجرد شكل خارجي جماله ينبع من مهارة من رسم خطوط ملامح وجهه،  وأهميته تنبع من كونه ما زال صالحاً للإستعمال.
                                                                     
... الآن... وبعد أن ذهب في رحلته الأبدية، سمحت لي وحدتي بنزع جميع الأقنعة، فوجدتُ أن الداخل لم يعد روح إنسان، بل إنه دمار شامل، كذاك الذي يلي غارة حربية، ووجدتُ أن الجمال حولته لعنة التمثيل إلى تشوه، وبصمات آلاف الحوادث.
اكتشفتُ أن الأحلام لم تتحقق كما توهمت، وأن الأمان الذي كنت أنشده لم يكن ممثلاً بهذا الشخص بالذات، بل لعله لم يكن ليوجد مع أي إنسان على وجه الأرض.
وسط هذا الكم الهائل من الزيف والتصنع، اكتشفتُ، في ومضة إحساس، انك أنتَ، يا وهم حياتي وانكسارها، كنتَ الخفقة الحقيقية الوحيدة التي لم تتحطم وتحترق بفعل التخريب الذي حصل في عمري.