يحاربني النزوح


في مرآتي امرأة لا أعرفها... تدعيّ أنها أنا!
فكيف يمكن لهذه العجوز المنهكة أن تكون أنا، شعرٌ غزاه الشيب، وعينان منهكتان تتزينان بهالاتٍ سوداء، لتفضحا سرًا من أسراري، فأنا لا أنام! وكيف ينام محاربٌ وسط ميدان معركته المحتدمة.

منذ نيفٍ وسنتين يحاربني النزوح، ينكرني قبل أن أنكره. يسجنني في مدينةٍ أمقت ضجيجها... فابنة الطبيعة أنا، تحت شجرة سنديانٍ جنوبيةٍ عتيقةٍ ولدتُ، فاحتفى بي القمح بأن أهداني لون حنطته.

يزورني عصفور "الدوري" كل صباحٍ، ينقر على نافذتي، ينقل لي فرح البراري، فأقفز من سباتي وأرتدي أجنحة فراشة، أتزين بوردة سكوكع*... أتعطر بالصعتر البري، أسابق العصافير وأزاحمها على شربة ماءٍ من النبع، أجلس في حقلٍ من الدحنون*، وأحضّر قهوتي السمراء على موقد قلبي، أحتسيها وأنا أدندن مع فيروز "بعدك على بالي".


أكتب قصصي على أوراق الورد، فهل حاولتَ يومًا أن تسمع ماذا تقول الوردة؟
قبل المغيب أتلو على العصافير قصائد الشِعر، فتتلوها في الصباح أناشيد للحب... للوطن... للجنوب...


منذ نيفٍ وسنتين زارنا الشيطان الصهيوني، فتركنا العصافير وحدها في فلوات الفقد تندب رحيل الأحبة... واغتيال الوطن!


المرأة في مرآتي لا أعرفها، فمن هي هذه الواجمة، التي سمحت للشتائم أن تتطاير منها في كل مكان.
لعل ما حلَّ بي هو وسوسة شيطان النزوح... أو فاجعة الجنون، فلكثرة ما أنكرتها أصبحت المرأة في مرآتي تبادلني الشتائم كلما رأتني.
اليوم صباحًا، شتمتني ما إن رأتني... رميتها بالمصباح فتهشمت.

أخيرًا أصبحت تشبهني، امرأةٌ متشظية، لها ملامح ألفُ حزن... وحزن.





* السكوكع- وردة بريّة تسمى بخور مريم.
* الدحنون- وردة بريّة تسمى الأقحوان.

في مركز الإيواء



"توفي والدي قبل أن تصل إلينا أيّ مساعدة!"

كانت هذه رسالة واتساب وصلتني من السيد (ع. ف) الذي اضطرته ظروف مرض والده لمغادرة مركز الإيواء، وترك طفلته وحيدة فيه معنا، نعتني بها كما وعدناه.

كان السيد (ع. ف) ولنطلق عليه لقب الحاج أبو مريم، شابٌ أربعيني رزقه الله بمريم بعد انتظار سنوات.
استُشهِدت زوجته ووالدته في قريتهما الجنوبية إثر غارة صهيونية على منزلهم حصلت ذات فجرٍ بينما الجميع يستعد للصلاة.


وصل الحاج أبو مريم إلى مركز الإيواء في بيروت منهكًا، على وجهه الشاب وجع الفقد والمأساة، يجرّ طفلة مذعورة، تبلغ حوالي السابعة من عمرها، عيناها دامعتان، تتلفت حولها وكأنها تبحث عن وجه مألوف، أو لعلها تتساءل عن معنى هذا العبث العصي على فهمها! كما يجرّ كرسي مدولب يجلس عليه رجلٌ مسنٌ كان نائمًا، وقد خلته بداية غائبًا عن الوعي!
نظرتُ إلى المشهد، وكدتُ أبكي حزنًا على بؤس الصورة أمامي، استدرك الحاج أبو مريم وقال "أبي مريض زهايمر، أعطيته منومًا، لأن الأصوات تجعله خائفًا فيضوج ويبدأ بالصراخ".
وضع يده على رأس الطفلة وتابع "هذه ابنتي مريم... أمي وزوجتي استشهدتا وأنا...".
بكت الطفلة فنشج معها الرجل وأنهارت عزيمته.

استغرق أمر نسج علاقة صداقة بيني وبين مريم حوالي أسبوعين، قمت بها بكل ما يلزم كي أكسب ثقة ومحبة الصغيرة، والحمد لله نجحت.
لكنني للأسف ما زلتُ أحاول الحصول على دعمٍ نفسي للطفلة، دون استجابة من أي وزارة أو جهة، فالجواب واحد "بالكاد نستطيع تأمين الضروريات". وكأن صحة الأطفال النفسية ليست من أول الأولويات والضروريات!
حرصت على تقديم كل ما أستطيعه كي أشعرها ببعض الراحة وفهم ما معنى أن تفقد أمها وجدتها. لعلني نجحتُ أو لعل الله يزرع فهمًا استثنائيًا في عقول أطفال الجنوب، فيولدون وهم واعون تمامًا لمعنى الشهادة والفقد واليتم!

أما معركتي الكبرى فكانت تأمين غرفة خاصة للجد مريض الزهايمر، فقد كان مذعورًا طول الوقت، مما اضطرنا لأن نضع حوله ستارة تخفي عنه تحرك الناس، بعد أن أوصيناهم بخفت أصواتهم.
الوحيدة التي كان لها تأثير المهدىء عليه هي مريم، كان والدها يستعين بها لتهدئة جدها، كانت تجلس معه، تحادثه فيضحك لها، وإن غابت بحث عنها بعينيه التائهتين.

والأمر الثاني الذي لم أجد له حلاً فهو حاجة المركز لسرير خاص لمريضة مقعدة لا تستطيع الحركة. لطول ما انتظرتُ الجهات المعنية، أصيبت المسكينة ب "عُقرٍ" في ظهرها وآخر في كتفها، مما اضطرنا لطلب مساعدة متطوعي الصليب الأحمر عدة مرات لعلاجها.


ذات ليلة أصيب جد مريم بعارضٍ صحي، فاستدعيتُ الصليب الأحمر لنقله للمستشفى.
كانت مريم تبكي وتسأل والدها "بابا هل سيموت جدي مثل ماما وتيتا؟"
كان كريم أحد عناصر الصليب الأحمر قريبًا منها، انحنى إلى أن أصبح على مستوى وجهها وقال "لا يا صغيرتي، لا تخافي، سوف نعيد جدك... اذهبي أنتِ للصلاة والله سوف يسمع دعاءكِ للجد"
وسمع الله دعاء مريم، ولم يمت الجد.

علم كريم بتفاصيل مشكلة والد أبو مريم، ومعاناة الأخير معه، فعرض عليه أن يقصد الشمال، عكار تحديدًا، حيث يمكن تأمين كوخ يصطحب فيه أبو مريم والده... لكن تبقى مشكلة مريم، الكوخ معزول والمنطقة نائية، والظروف أبدًا لا تناسب طفلة صغيرة.
عرضتُ عليه أن تبقى مريم معنا في المركز... فوافق وأقتنعت مريم، وكأنها أصبحت امرأة ككل امرأة جنوبية تحتمل الصعاب بصبرٍ وصمت.

تعلق قلب كريم بمريم، عوضه وجودها عن ألم فقدان ابنته التي استشهدت مع عمها وعائلته في منزلهم، يوم الأربعاء الأسود، حين ارتكب العدو الإسرائيلي أكثر من مئة مجزرة خلال عشر دقائق في بيروت وجميع أنحاء لبنان.

يوم أخبرني بقصته بكى كطفلٍ صغير وهو يقول "كنا سنقيم لها حفل عيد ميلادها في منزل عمها، وقد كنتُ في السوق ابتاع لها أكبر وأجمل لعبة... ما زالت زوجتي في المستشفى تتعالج من تبعات إصابتها".

كان يأتي يوميًا ليقضي مع مريم بعض الوقت، يُفرح قلبها بقطعة حلوى.
عندما كنت أشكره وأقول "تتحمل الكثير يا كريم من أجل مريم... جزاك الله كل خير".
كان يجيب "لا أعرف ما أصابني منذ أن رأيتها، وكأن حنان الدنيا قد صبّ في قلبي، كأن روح ابنتي تسكنها... أتألم لقصتها وأتألم عندما أشعر بها وقد اشتاقت لوالدها ووالدتها".


بعد شهرين من الغياب الموجع للحاج أبو مريم، أرسل لي رسالة الواتساب يعلن وفاة والده، ولأن المكان بعيد، فقد مات الرجل قبل أن يستجيب أحد لطلب النجدة الذي أرسله الشاب الأربعيني، الذي أنهكه الفقد، والبُعد عن طفلته الوحيدة.

بعد معاناةٍ وبحثٍ واتصالات استطاع الحاج أبو مريم أن يدفن والده بعيدًا عن قريته الجنوبية كوديعة.

قصدني في مكتبي وأخبرني عن خططه القادمة.
قال لي "لقد عرض عليَّ أحد أبناء "فنيدق" عملاً في النجارة لقاء تأمين مسكن لي ولمريم مع مكافأة مالية تعيننا على العيش إلى أن تنتهي الحرب ونعود إلى القرية، فوافقت".
تمنيتُ له التوفيق، وأخبرته أن المركز وأنا سنبقى دائمًا على استعداد لتقديم أي مساعدة نستطيعها.

أقمنا في المركز سهرة لوداع الحاج أبو مريم ومريم الصغيرة التي أحبها الجميع.
أحضرتُ الحلوى للجميع.
أما كريم فقد أحضر لعبة لمريم، كانت أجمل لعبة رأيتها في حياتي.
قال أبو مريم "هذا كثير جدًا يا كريم"
فأجاب كريم "لا... إنه قليل لقاء الحب والحنان الذين أعطتنيهما مريم، أرجو أن تقبل أميرتي هذه الهدية المتواضعة كي تذكرني دائمًا".

أشار لها والدها بالموافقة لتأخذ الهدية وقال "اشكري عمو كريم على كرمه".
شكرته وهي تبتسم ببراءة وخجل، فقال وهو يفتح ذراعيه "هلاّ أعطيتِ قبلة لصديقكِ العجوز".




Images rights are reserved to their owners


نزوح

 

كنتُ كلما نظرتُ إليه أشعر أن أمرًا غريبًا يحدث!
 
ستقولون لي أليس نزوحنا من قرانا الجنوبية وبيوتنا الواسعة الجميلة، إلى مراكز الإيواء المزدحمة أمرٌ عجيبٌ غريب!؟
هنا سأجيب بأن لا... أجل لا، فأن ننزح من قرانا الجنوبية الحبيبة لهو أمرٌ قاسٍ مرٌّ ومجحفٌ بحق حريتنا وإنسانيتنا، لكن غريب؟ لا! فهو قطعًا ليس غريبًا في زمنِ تكالب حثالات الأمم على أشرافها، وتسيِّد القرود على الأسود.

كان كئيبًا دائمًا، مهمومًا، يقضي نهاره وليله يتابع الأخبار، لا يترك تفصيلة تمرّ دون أن يعرفها ويدقق في تفاصيلها.
وكلمته المعهودة "يا رب... كيف سيحتمل الأطفال كل هذا العذاب".
كنت أجيبه "خفف عنك يا حبيبي فأطفالنا شجعان رضعوا حبّ الأرض مع الحليب وفهموا قضية المقاومة قبل أن يتعلموا نطق الحروف".
لكنه كان يبكي حالهم ويقول "لكنهم لا يستحقون هكذا حياة... لا يستحقون أن يُسحقوا هكذا تحت الأنقاض... لعنة الله على الصهاينة".

كنت أنظر إليه، يسؤوني أن أراه يتألم هكذا، فأنا أعرف مشاعره المرهفة، فهو شاعر، والشاعر يفكر بقلبه لا بعقله.
ويبقى احساسي بأن أمرًا غريبًا يحدث!... وكأننا لوحة غير متجانسة، كما لو كنا صور اقتطعت من ألبومات مختلفة وركبت ك "كولاج" لتصبح صورة واحدة هدفها التعبير عن موضوع واحد.

لكن!... غريب... أمرٌ ما غريب!


8 نيسان/أبريل 2026 أو ما يُعرف بالأربعاء الأسود في لبنان، يوم ارتكب العدو الصهيوني 100 مجزرة خلال 10 دقائق في جميع أنحاء لبنان، كدتُ أن أفقد حبيبي ياسين، فقد بكى كطفلٍ صغيرٍ فقد أمه، ونشج كما لو أنه سيلحق بها بعد هنيهة.
رجوته أن يهدىء من أجل صحته- نسيت أن أخبركم أنه مريض سرطان- اتصلت بطبيبه الخاص، فأوصاني باسم دواء يجب أن أعطه إياه، ومن حُسن الحظ أنني كنتُ أحرص على حمله مع بقية الأدوية.

بعد منتصف الليل، وبفضلٍ من الله تحسنت حاله فغفا، تمددتُ إلى جانبه وهو ما زال يمسك يدي، كنتُ أنظر إليه بأسى، أخاف أن أفقده، أخاف أن أكمل الحياة من دونه... وأكثر ما أخاف مرضه هذا الذي يبعده عني شيئًا فشيئًأ.


لعلني غفوتُ برهة!... استيقظتُ مذعورة وقلبي يخفق بشدة.
عرفتُ ما هو الشيء الغريب في حبيبي ياسين!... حبيبي ياسين ليس معي، ونحن لسنا نازحان في مأوى خاص للنازحين.
فحبيبي ياسين يرقد منذ أربعة أعوامٍ في ثرى قريته الجنوبية الحدودية. لقد أخذه السرطان مني، ومنذ أن غادرني وأنا نازحة في هذه الحياة، أنتظر أن أعود إلى حيث ينتظرني حبيبي.

أضأتُ النور، فوجدتني في سريري أحضن صورته.
يبدو أنني غفوتُ وأنا أخبره بما فعله العدو الغاشم ببيروت التي يعشق يوم ما يُسمى بالأربعاء الأسود الذي لن ننسى... وكيف ننسى!




Images rights are reserved to their owners

 

مسرحجي


عباس: تعلّم يا صديقي كيف تكون مؤلفًا مسرحيًا.
عليّ: أتقصد كيف أكون مسرحجي؟
عباس: إياك أن تكون الكلمة على وزن مصلحجي!
ابتسم عليّ وأجاب: وهي كذلك...
رماه عباس بابتسامةٍ صفراء وقال: يبدو أننا لن نتفق!
أجاب عليّ وهو يقف في الباب: بالتأكيد لن نتفق...

كان هذا حوارٌ صغير جرى بين صديقين عشقا المسرح منذ الطفولة.
منذ أن جمعا عددًا من الأقارب والأصدقاء، من كلا الجنسين، وأسسا فرقة تمثيلية مسرحية تقيم عروضها في الهواء الطلق، بين ربوع قريتهما الجنوبية الجميلة.
دعم رئيس البلدية والأعضاء هذه الفرقة من الموهبين المراهقين، وقدموا لهم كل الدعم المطلوب.
فكان هذا الدعم وكل ما تلاه من تجارب مسرحية، فاتحة نجاحهما الساحق طوال سني الدراسة في معهد الفنون التمثيلية.

أما المسرحية التي كانت موضوع الخلاف بين الصديقين، فهي مسرحية موضوعها نضال الإنسان ضد عدوه وضد سياسته في اقتلاع أصحاب الأرض من جذورهم، ومقارعته في كل الميادين، خاصة منها الثقافية للحفاظ على الهوية والانتماء.
كانت المسرحية باكورة أعمالهما بعد حصولهما على الماجستير.

خلال البروفة الثالثة لاحظ عليّ تغييرات في النص الذي كتبه. كان يسمع حوارات لم يكتبها، ويشاهد مشاهد لم يكن يتخيلها. في البداية، ظنّ أن عباس يُجري تعديلات طفيفة لتناسب أداء الممثلين أو لتحسين الإيقاع الدرامي، كونه مخرج المسرحة، لكنه سرعان ما أدرك أن التغييرات كانت جذرية. حتى الشخصيات فقدت عمقها وأصبحت أشبه برسوم كاريكاتورية.
لم يستطع أن يحتمل ما يراه ويسمعه. اقترب من صديقه وسأله: عباس ما الذي يجري؟... أنا لم أكتب هذه المشاهد!
فأجاب هذا الأخير: النص كان جيدًا، لكنه لا يناسب هذا الزمن. الناس سئموا من أخبار الحرب والدمار، أنا فقط أجعل المسرحية أقل وطأة، وأقل غوصًا في عمق صراعنا مع العدو.
عندما لاحظ عبوس عليّ ربت على كتفه وقال: يا صديقي خذ الأمور ببساطة.
فالزمن يتغير، الانقسام في موضوع الانتماء الوطني أصبح كبيرًا جدًا.
شعر عليّ بخيبة أمل كبيرة... وقال: لكن!... لم يكن هذا رأيكَ عندما كلمتك عن المسرحية، ولا عندما قرأتَ النص للمرة الأولى!

هنا تدخل المنتج وقال موجهًا كلامه لعليّ: أعذرني يا أستاذ، لكن النص كما هو ثقيل على عقول الجمهور... سيفشل وسأخسر أموالي!
أجاب عليَّ: كالعادة- الجمهور عايز كده...
نظر إلى صديقه عباس بعتب وتابع: لم أتوقع منك هذا التصرف عباس، نحن أحببنا المسرح من أجل السمو بالفن، فمتى أصبحت الشهرة بالنسبة لكَ أهم من أي اعتبارات!
نظر المخرج والمنتج إلى بعضهما بابتسامة تواطىء صفراء، ولم يجيبا.
فأكمل عليّ: أبارك لكما على النص الجديد، وأتمنى لكما التوفيق، لكن... لا تذكرا اسمي كمؤلف للنص... رجاءًا.


فشلت المسرحية، فأدرك عباس خطأه.
حاول أن يتواصل مع عليّ ليحاولا من جديد العمل معًا، لكن الأخير كان قد اتخذ قرارًا... أن يبتعد عن التأليف المسرحي لفترة، بهدف كتابة رواية يعبّر فيها عن وجهة نظره بالفن في زمن الإسفاف هذا، ليثبت أن الكاتب الحقيقي يدافع عن رؤيته، حتى لو كان الثمن المزيد من التقوقع بعيدًا عن أضواء الشهرة.




Images rights are reserved to their owners



أثقل النعوش




نم يا طفلي في مهد الملائكة

فطـــــــــــائرات العــــدو...

لا تعرف إلى الجنة طريقًا.









أطفال لبنان
أطفال فلسطين
أطفال اليمن
لن ننساكم



 Image rights are reserved to the owner

رقصة زوربا

 

كلما قرأتَ كتابًا في الإنسانية، ستجدُني أتراقصُ بين السطورِ طيفًا لا

 يَعِيهِ سوى المشتبكِ، الَّذِي عَلَّمَتْهُ الثَّوْرَاتُ كَيْفَ يَجِدُنِي فِي سِيَاقِ

 السَّرْدِ.




العجوز والتيك توك


فجأة اختفت من المشهد!... وكأن الأرض ابتلعتها.
منذ سنواتٍ وأنا احتمل فضولها. عجوز نمامة من عجائز الحيّ!

بعد انتقالي للسكن في هذا الحي بمدة لا تتعدى اليومين، وجدتها تقف في بابي، في تمام السابعة صباحًا!
فتحتُ الباب على مضض وأنا بالكاد أفتح عينيَّ، دخلتْ قبل أن أقول شيئًا وزعقت: صباح الخير... أما زلتِ نائمة؟
نظرتُ إليها وقلت: عفوًا سيدتي... لكن مَن أنتِ؟
ضحكت ساخرة وقالت: صبايا هذه الأيام لا يعرفون جار ولا يقرعون باب دار.
توجهتْ إلى المطبخ وكأنها في منزلها وهي تقول: سوف أحضر القهوة.

اتصلتُ بمالك الشقة وأخبرته عن المقتحِمة!... فقال: سامحيني أرجوكِ لأني لم أحذرك منها.
فقلتُ وأنا أكاد أبكي: وماذا أفعل الآن؟ لقد اقتحمت بيتي!
فأجاب: أرجوكِ... أرجوكِ احتمليها الساعة فقط، وأنا سأكون عندكِ بعد الظهر لأجد لكِ حلًا... أرجوكِ فقط هذا الصباح.

صبت لي فنجانًا من القهوة وصبت لنفسها آخر، ابتسمت وقالت:
يبدو أنكِ كسولة، لم اعتد على جارة عبوسة مثلك.
قطبتُ وقلت: عبوسة؟...
أجابت وهي تشعل سيجارة: أكره الأبواب المغلقة بيني وبين جيراني، كنتُ وساكنة المنزل قبلكِ نترك الأبواب بيننا مفتوحة.
قلتُ لنفسي: لا بد أنها كانت مثلك شمطاء نمامة.
أمسكت هاتفها وقالت: أعطني باسوورد الوايفاي.
يا إلهي!... كنتُ أود أن أقتلها، لكنني تمالكتُ نفسي وقلت: لم أشترك بعد.
امتعضت بزم شفتيها وسألتني: لاحظتُ أنكِ وحدك؟ أين زوجك؟
أجبت: لستُ متزوجة.
دهشتْ ثم قالت: وأين أهلك؟
بدأتْ أتلذذ بإثارة حفيظتها فقلت: والديَّ متوفيان، وأخوتي مسافرون.
جحظت عيناها وقالت: تسكنين وحدك؟
ابتسمت ولم أجب.

لم أعد أفتح بابي بوجه الثرثارة.
فقد اقترح مالك الشقة أن أضع عينًا سحرية في الباب، وأن أنزع الجرس!

مضت شهورٌ طوال... كلما مررتُ من أمامها تحاول بشتى الوسائل أن تستدرجني لحديثٍ أشبه باستجواب، تريد أن تعرف كل شيء عني، كانت مقتنعة أنها ستجعلني "اجتماعية" مثلها!
تذكرتُ مقولة نيتشه "كلما كان الإنسان اجتماعيًا، كلما كان عقله فارغًا".
قد لا تكون المقولة منطقية بالمطلق، لكنها تناسب هذه الثرثارة 100%.

ذات يومٍ شديد البرودة، سمعتُ جلبة في الشارع استرعت انتباهي، كان صراخ النسوة عاليًا، استعذت بالله من الشيطان، هل مات أحد!؟
هرج ومرج... ضحك ونحيب! ماذا يجري!
فضولي قادني لأن أنضم إلى الجيران في الشارع.

إليكم الحكاية...
أقسم أنني لستُ شامتة أو متشفية، بالعكس لقد حاولتُ أن أدافع وأضع حدًا للموضوع.

كانت حفيدة العجوز الثرثارة، قد نشرت فيديو على منصات السوشيال ميديا، تظهر فيه العجوز ترقص وتهتز كالمجانين مع أحفادها، يبدو أنه حفل عائلي.

نسيتُ أن أخبركم، أنها ورفيقاتها من رواد التيك توك والإنستا!

رفيقاتها كنَّ في طليعة مَن يقرِّعها.
واحدة قالت "تفه عليكِ... احترمي شيبتك، ابن بنت حماكِ ما صار له شهر متوفى... العمى بقلبك شب متل قلب النهار!"... والثانية تقول "يخرب بيتك شو جنيتي؟... زوجي بعد ما صار ماضي أربعين يوم على وفاته!"

الكل ينتقد ويلوم، يسخر ويهين، ويقرِّعون زوجها لأنه لا يعرف كيف يلجمها. زوجها يشتم، وهي تنتحب.

حاولتُ أن أُقنع الناس أنها بريئة، فهي ليست سوى جَدة أحبت أن تشارك أحفادها الفرح، لكن مَن أنزل الصور على السوشيال ميديا هو الملوم.
لكن!... العجوز شربت من الكأس الذي لطالما جرَّعته للناس.

... شاع في الحي أن زوجها قد طردها واستقر في القرية وحده. ومنهم من يقول أنها معه لكنه يسجنها هناك... و... و...
بعد عدة أيامٍ نسي القوم الحكاية، لتبدأ حكاية أخرى. والناس حكاياتٍ يتسلى بها الناس!



Images rights are reserved to their owners


مرمى سفر


في المساء، تتألق طرقات ذاكرتي بأضواء مصابيحها، وتعزف سيمفونية الحنين إلى رجلٍ يبعده عني... مرمى سفر.
هناك أجالس الليل على رصيف الانتظار. أشهق بوجعي، وأبكي طول انتظاري. يمر العمر ولا يلتفت إليَّ... ويمضي!

تلاحقني لعنة ولادتي في غربةِ والدَين أقترفاني في ليالي السفر.
في حقيبتي ركام طفولة، وجواز سفر بدمغة "عابرة سبيل ".

 محطةٌ للانتظار أنا، المطار قلبي، وطائرتكَ أضاعت البوصلة، منذ أن نزعوا منكَ التحليق، ووضعوك في صحراءٍ من الغربة، قمرها ذبيحٌ ورمالها متحركة تعيقكَ عن المسير!

يوم وشمتَ قلبي بالحب، كان تاريخٌ من الخيبات والهزائم والانكسارات يعربد في قلبي، فسألتك هل يحتمل قلبكَ ملحمة أحزاني؟
قلتَ يمطركِ قلبي ورود شغفٍ، لا تخافي... واهدئي... فأنا هنا، فقط بعيدٌ عنكِ مرمى سفر، وقريبًا سينتهي هذا السفر.

بعد عشرٍ ونيِّف من غرقكَ في رمال صحراء الغربة، أرسلتَ طائر الشوق وفي فمه رسالتكَ الأخيرة "انتظريني... لقد أصلحتُ البوصلة، وسوف ينتهي هذا السفر".


ألم أقل لكَ أنني منذورة للرحيل، وأنني امرأة من رمال... أتسرب مع الدقائق، انتظار... فانتظار!؟ ألم أقل لكَ أنني امرأة شاهقة الحزن منذ الولادة!
انتهى سفركَ!
حملتكَ الطائرة أخيرًا إلى تراب الوطن، ليضمكَ ابنًا بارًا، رفض أن يُدفن إلا في حضنه.

يا سليل النبض... يا سيد الغياب...
كلما جنّ عليَّ ليل الأشواق، أغوص في قلبي وأفتح أدراج الأحزان، لأجدكَ هناكَ فارسًا متوجًا في أزقة ذكرياتي.





Image rights are reserved to the owner