رجل في دم امرأة


رجل في دم امرأة
 

لستُ مراهقة أحلم بأن
تشــــــرب قهوتــــــك
مـــــــــن عيــــــــوني
أو أن تســـــــــــــكرك
خطـــــــوط جفــــــوني.

لست حواء رومــــانسية
أطالبك بجنون كجنوني.
ابداً لـــــــن أكـــــــــون
 إمرأة عـــــــــــــــادية
 أخنـــــــق شــــــقاوتك
 بغيرتـــــي وظنونــــي.

ولا أقبل أن أصبــــــــح
 زوجــــــــة  مهمَلـــــة
وأن أشــــــعل رجولتك
 بــــألاعيبي وفنونــــي.

صدقني لست أكذب عليك
ولســـــتُ عـــــــــــــاقلة
الله الى الرشــــد يهديني.

أنـــا فقط إمرأة إستثنائية
نارك توأمي منذ تكويني
مســــتمرة على حبـــــك
 بكل نبضــــــات عمري
 ولحظـــــــات سنينـــــي.

لأنـــــــــي خـــــــــاويتُ
 شــــــــــيطان حبـــــــك
 الذي يبكينــي ويكوينــي
اليس هذا مطلق الجنون؟
فيـــــــا رب إهدينــــــي.

أريـد أن أنســــــــــــــى
 الطــــاغية اللامبــــالي
الذي هو المـي وأنينــي.
وإن بكيــــــــــــتُ
فسأكذب على نفسي
وأقول أن الدمــــوع
 هـــي "طرفة عين"
وليست أشواقي وحنيني.

تغريدات عصفورة جريحة



تغريدات عصفورة جريحة

حبيبٌ
صادق!!
 تــــلكَ
رفاهية
 لا تليق بأنثى مثلي
منذ أن ولـــــــــدتْ
كُتب على جبيـــنها
 مديـــــــنة ملاهي.




وهبَّتْ ريــــاح الغدر
فسقطتْ ورقة التوت
 في فصـــــل الربيع.


 

أتيتنــــي ذات ربيع
وزرعـــــــتَ وردة
 حبــــكَ في روحي
لكــــــن غــــــدركَ
أنـــــبتَ أشـــواكها.

 


حبك مثل الطرق الريفية
 في قرى العـــالم الثالث
تنتهــــي دائمـــاً بهاوية.

 


أحتســـــــيكَ دواءاً
 لكن غيابكَ يقتلني.

 

كــــــل مـــــــوت
وأنتَ إحتضــاري.

 

الحياة كما عاشتني


الحياة كما عاشتني


  ليله طويل حالك، منذ دهر وهو يتقلب فوق فراشه على أشواك الهموم، والفجر المبتغى ما زال يؤجل إشراقه منذ آلاف الساعات، والظلمة من حوله تشتد سواداً، والصقيع يتسلل الى أطرافه.
نظر الى الجانب الآخر، حيث ترقد إمرأة كتبها عليه القدر زوجة منذ أكثر من عشرين عاما، زوجة إصطادت فتوته وهو بالكاد قد تجاوز العشرون ونيِّف من عمره، وهو إنصاع لملاحقتها بعد أن سئم ألاعيب الحياة وما تفعله به، هو الشاب اليافع الذي تلاحقه النساء لأنهن يريّن به فتاً غراً يمكن التورط معه في مغامرة حميدة العواقب، فأخلاقه وخجله يمنعاه من أن يفضح أمر أي إمرأة تقيم معه علاقة مشبوهة أو غير مشبوهة. ولأنه سئم الحياة وأفانينها وألاعيبها فقد قرر أن يقبل بها زوجة.  فأصبحت زوجة تلتصق بجسده وبتفاصيل أيامه، لكنها أبعد ما تكون عن روحه، هذه الروح الشفافة التي ما أرادت من المرأة سوى المشاركة والحنان، صفتين لم يوجدا يوماً في قاموس زوجته، هي فقط إمرأة للفراش والإنجاب، تزوجت من صراف آلي، أحياناً تذكر بأنه رجل، فتمنحه بعض عواطف منبعها شهوة المرأة فيها، لا حب الأنثى.
 ينظر اليها ويستمع الى زفيرها، دليل غرقها في نومها الهانىء، الذي لم يعكره في يومٍ غمّ أو همّ. تخرج تنهداته من أعماق روحه وهو يذكر كيف فازت بشبابه وأوقعته في شباك الزواج، إستغلت سأمه من الحياة وتغلبت بجرأتها على خجله، ففرضت إرادتها على عزوبيته التي طلقها كرمى لعينيها، فتزوجها ليعيش معها رجلاً أفرغ من محتواه العاطفي، ليعيش عاشقاً مع وقف التنفيذ.
كم يكره فيها تبلد أحاسيسها أمام براكين شبابه، وصمودها في وجه عواطفه المرهفة، ورفضها لكل محاولاته الرومانسية لجرها الى عالمه الخاص، عالم الأدب والشعر الذي يهواه. ما زال يذكر كيف أنه في بدايات زواجهما كتب فيها قصيدة شعر، فقرأتها على مضض، وحذرته من العيش فوق السحاب، لأن الخيال لا يفتح بيوتاً، ولا يؤسس عائلات.
وما أن بدأ يستفيق من سبات أوهامه، ليكتشف حجم الهوة التي تفصل بينه وبينها، بدأت تظهر عليها أعراض الحمل، فقيَّده الطفل بها الى الأبد. وهكذا قررت الحياة أن يستمر زوجاً رغماً عن أنفه، بحكم الأبوة المبرم.
ولأن الأبوة وأخلاقه النبيلة منعتاه من التمرد على إرتباطه الغبي بها، فقد مارس ثورته وتمرده في الخفاء، وذلك بإقدامه على خيانتها مراراً وتكراراً، فقط كي يثبت لها  وللحياة ولنفسه بأنه قادر على التمرد على قراراتها وقرارات زواجه المتعنتة. وهكذا نقله الزواج من شاب يافع خجول، الى رجل مفعمٍ بآلاف التجارب وعشرات الغزوات النسائية. لكن علاقاته المتعددة لم تكن ترضيه أو تسعده، بل كان كلما تعددت علاقاته، كلما إزداد تقوقعاً وإنغلاقاً على نفسه. بل لعله في بعض المواقف حمل حقداً دفيناً للمرأة، خاصة تلك التي لا تتوانى عن الإرتماء في أحضانه، رغم زواجها وأمومتها.
عشرون سنة ونيِّف من الغزوات المتبادلة بينه وبين النساء، كل ذلك ما أورثه سوى السأم وربما القرف، من حالات تعيشها الحياة من خلاله، وهو ينقاد وراءها بقوة خفية تدفعه وراءها، وتخلف في قلبه دموع الندم والحسرة على شباب أضاعته الحياة، في لحظة إتخاذها قراراً طائشاً بأن تضعه في طريق هذه المرأة التي تملك جسده، ولا تملك روحه.
        ثلاثة وأربعون عاماً يا عبث الأقدار، ولم تنتهي الحياة  ولم ترْعَوي عن إيلامه وسحقه تحت نير تسلطها. فقد مارست عبثيتها على روحه وكيانه، واشمة عمره بالآلام والحسرات والتنهدات والعبرات.
       لكن أكثر فصولها عبثية، هو هذا الحب الجارف الذي وضعته في طريقه، هو الرجل الصلب ذو المشاعر العنيدة، الذي قرر منذ زمن بعيد أن لا يسلم قياد مشاعره لإمرأة. لكنها هي بالذات تسللت الى روحه  في غفلة من عقله وسيطرته على نفسه، فألفى نفسه غارقاً في الحب حتى أعمق مناطق العشق، معرَّضاً الى أعتى عواصف الهوى، هذا الهوى الذي عصف فجأة فلم يبقِ ولم يذر. لكن كيف السبيل الى الوصال مع حبيبة دونها وعمره، قلبٌ كسير وزواج محكم الإغلاق على أبوة تكاد تصبح في العشرين من حقيقيتها في عمره.  إن ضميره وأخلاقه الرفيعة تأبى عليه محو أكثر من عشرين عاماً بجرة قلم، بغض النظر عن كون هذا الزواج يستحق الإستمرار أم لا. فقد تكون زوجته أسوء الزوجات، وقد تكون أكثرهنّ إيغالاً في الأنانية، لكن ذلك لا يعني أنها لا تملك أي خصال إيجابية تستحق عليها الرأفة والمودة، إنها المرأة التي إعتنت به لسنوات طوال، عاشت في كنفه ضمن الواجب والإحترام، وأعطته أولاداً هم أغلى ما يملك في هذه الدنيا. التفت اليها مجدداً وتنهد بحسرة المحروم من حبيبه، إنها ليست حبيبته لكنها المرأة التي لامسها ولامسته ، المرأة التي عاشت في أحضانه  ومنحته نفسها بإخلاص لأكثر من عقدين من الزمن.
        لكن أن تتزوج من حبيبتك فلذلك مذاق آخر، إذ أن الإرتباط بالحبيبة يعني التوحد معها وبها، يعني أن تغرق معها في لجة الغرام وأنتَ تأبى الرجوع الى أمان الروتين وأغلاله الملتفة حول العنق، كإلتفاف حبلٍ حول رقبة محكوم بالإعدام ينتظر تنفيذ الحكم به منذ سنوات وسنوات، لعلَّ الموت ينقذه من دائرة الإنتظار، هذا الإنتظار الذي يعيشنا لكننا نجهل ما هو؟، نجهل ماذا ننتظر؟، نجهل الى متى سننتظر؟.
إن الزواج من الحبيبة يعني أن تصل الى قمة الإنتشاء والإشباع الروحي والجسدي والعقلي والمعنوي. أن تتزوج من الحبيبة معناه أن تقترن بملاكك الحارس الذي سيغدق عليك من الحب والحنان والمشاركة والإهتمام، ما يجعلك أسير هواها الى أن يفعل الله أمراً كان مفعولاً.
لكن! "كيف السبيل الى وصالك دلني؟". وأطلق تنهيدة، خرجت من صدره آهة محرقة... "آه لو تدرين أيتها المعبودة ماذا فعلت بي عيناكِ".
وما بال هذا الحب يشتد ويُحكِم تشبثه بشغاف القلب، كلما مرت عليه الساعات والدقائق. إنه لا يذكر أنه أحب يوماً بهذا العنف، لا بل أنه لم يتصور أبداً أن هذا النوع من الغرام له وجود في الكون.
يذكر الآن فقط أنه سبق أن أحب بصدقٍ مرة واحدة فقط، كان ذلك وله من العمر ستة عشر عاماً، عمر القلوب الغضة، المفعمة ببراءة العشق، وصدق الإنفعال البريء مع الهوى. حين لم يكن يرى في الحبيبة سوى روح ملاكٍ تمشي الهوينى بين البشر لحظة أن قررت أن تنزل من عليائها لتنظر اليه هو بالذات. فحين أحب في مراهقته أحب بشفافية وسمو العذريين اللذين يترفعون عن الأحاسيس المادية والجسدية، حتى أنه في تلك السن الصغيرة بالكاد كان يعرف ما معنى أن أريد حبيبتي قلباً وقالباً، روحاً وجسداً. فالغرام في السادسة عشر مغرق في روحانيته، لا تسكنه حرائق العشق في الأربعين، وما أدراك ما الأربعون. إنها نشوة النضج، وحرائق العشق الممزوج بإنفعالات الشهوة والرغبات، ففي الأربعون نعرف تماماً كيف نحاور جسد الحبيبة حوار العشق والهوى، دون أن ننزلها من مرتبة الملائكة، بينما في السادسة عشر، نعتقد أن الحبيبة هي كائنٌ لا جسد له، إنها روح شفافة حاشا وكلا أن نشتهيها.
لعل أوضح ما في سن السادسة عشر، هو هذا اليقين بأن الشهوات الجسدية عالمٌ آخر لا يجب أن ندخل الحبيبة اليه، فهي أسمى من أن تكون عشيقة الليل والحرائق، أمر سببه تربيتنا على مبدىء أن الجسد وكل ما يتعلق به هو عيب يجب أن لا نتداوله إلا في الغرف المغلقة مع عشيقة لا تليق بأن تحمل أسمنا، أما الزوجة والحبيبة فهنّ صنف من النساء لا يعرفنّ ما معنى حرائق الجسد. لكنك حين تبلغ الأربعين، وبعد أن تكون الحياة قد عاشت في روحك كل تجاربها وأحداثها تكتشف إكتشاف المتيقن، أن أروع أنواع النساء هي تلك التي تجتمع فيها كل نسائك، زوجتك وحبيبتك وعشيقتك وصديقتك وأمك وأختك وإبنتك... وأروعهنّ أيضاً مَن تعتبرك كل رجالها زوجها وحبيبها وعشيقها وصديقها وأباها وأخاها وأبنها وأستاذها.
آه يا سادسة عشر ليتني أعود اليكِ كي أحب حبيبتي برومانسيتك الشفافة، ممزوجة مع نضجي ورجولتي ويقيني بأن حبيبتي هي إمرأة عُجنت  من روح ملاك، وحرائق عشق، كي أقترن بأنثى تجسد كل آمالي وتطلعاتي ورغباتي في الحياة.
التفتَ مجدداً الى النائمة بجانبه، الناعمة بيقين أنه لن يفلت من بين يديها، وأطلق حرقة آهاته...
 أيتها المفروضة على عمري لو تدرين ماذا فعلتِ بحياتي، ليتك تستطيعين أن تقولي لي كيف السبيل الى هدوء براكيني المشتعلة؟...
 آه يا حبيبتي كيف السبيل كي أضعك مكانها بجانبي إضافة لكونك وحدك ساكنة الروح؟
متى تكفِّين أيتها الحياة عن ملاعبتي بكل عنفك وشراستك وعهرك وتعهّرك؟ متى تنزعين المستحيل من أقداري، وتهدينني قدراً وتهدينني قدراً تعوضينني به عن كل تخريب سبَّبْتِه في عمري؟.

حين فقدت الاحساس

 
حين فقدت الاحساس


    لقد خمدت حرائق الثورة في دمي، وسكن الجليد أزقة شراييني. لم تعد كلمة حنونة تشعلني، تطفئني، تزلزل كياني. لم تعد للأغنية الرومانسية القدرة على نقلي الى مدن الاقحوان، هناك حيث الشمس ساطعة، والقمر دائماً فضي كبير، والمطر ناعم، والأخضر دائم الخضرة. هناك حيث للورد روعة الألوان، والسماء متلألئة بالنجوم. حيث يحلو لي مرافقة الفراشات، والتسابق مع السواقي، وتسلق الجبال لتمشيط جباهها. هناك حيث الألحان سيمفونية، والبراءة أغنية، والحب صادق، والصداقة محبة، والمحبة فعل إيمان.

الاحتفال كان صاخباً في دمي، والاحساس مرهف في قلبي، لي قدرة السفر عبر الأزمنة والأماكن، وعلى نسج قصص الغرام حيث الحب رواية رومانسية بنهايتها يتزوج الابطال  (بالاذن من الراحل الكبير نزار قباني) روايات سكانها من طبيعة ملائكية، لا يعرفون الخداع، متحضرون، يأكلون الورد ويشربون الماء والسكر، يؤمنون بالله والانسان والوطن.
    لم تعد الدموع تجرحني، فلدي بحور منها، لم تعد الجراح توجعني، تخدرت المشاعر من كثرتها. لم تعد  النهايات المأساوية تبكيني، فكل نهاياتي أصبحت مخيبة للآمال.
لم أعد أؤمن بوطن الأخوين رحباني، لم يعد عشق أم كلثوم يلهمني، ولا رومانسية عبد الحليم تهزني، لم تعد سخرية زياد الرحباني تضحكني وتوجعني، لم تعد ثورة مارسيل خليفة تستمد نيرانها من دمي. لم تعد تعنيني القضايا الكبرى، لم أعد أؤمن بالانسان والوطن.

لائحة الانفعالات اختلطت على مشاعري، أصبحت النكتة تبكيني، والتراجيديا تضحكني، وقصص الخداع تشفي غليلي، لم يعد لي القدرة على الحب أو على الكره.
لم تعد لي القدرة على الكتابة، أصبحتُ أكتب القصص بلغة الخطاب السياسي، والمقالة لم تعد مقالة، أصبحت مرثية، وكأنني سأتلوها في مأتم العقائد والفكر والقضايا العامة.
لم يعد بي وفاء للأماكن، لم أعد أتردد الى مراتع الصبا والشباب، زيارة الأماكن لم تعد تثير بي الحنين الى أناس مروا في حياتي، وغابوا مع آخر شعاع للشمس.
حتى صلاتي أصبحتْ مجرد أداء واجب.
وأنا في طاعة الصلاة بين يدي الخالق عز وجل، لم أعد أسمع رفيف أجنحة الملائكة المتنقلة بين محراب الصلاة والسماء، لم أعد أشعر بذلك الاتحاد بالكون الذي يكبر ويكبر ليسع الأرض والسماء.  
لقد فقدتُ الاحساس. كل ذلك منذ أن أصبحتُ عاطلة عن العمل.
فيا كل ثورات العالم اشتعلي في دمي كي يذوب الجليد، فأستعيد مشاعري وانفعالاتي، وصخب الاحتفال.    


مقال نشر في مجلة العربي
 يوليو/تموز 2009
العدد 608
 

 بمناسبة عيد العمال أقول لكل عاطل عن العمل كل عام وانتَ بألف خير يا شريكَ وجعي.
 عاطل عن العمل! مع أنه مصطلح شائع إلا أنني أفضل عليه مصطلح عاطل عن الوظيفة. فباستطاعة الانسان أن يوجد لنفسه عملاً في هذه الحياة، حتى لو كان يفتقد لوظيفة يعتاش مادياً منها.
Twitter Bird Gadget