تفاحة الإغواء



عندما أعطاني كيوبيد تفاحة الإغواء
وأنت تعبر تقاطع دروبي
علمتُ أن الله رسمكَ لي أجمل قضاء وقدر.



 

أنبضٌ أنتَ أم كتلة نظريات





 جئتَ كي تعلمني مادة الفهم الكوني، وجلستَ أمامي بكل ما في عنفوانك من فهمٍ وإدراك. وأخذتَ تشرح تلك النظريات المعقدة التي تصف طريقة دوران الكون، ومسار المعادلات العقلية.



     عشقتُ نظرة إنتصار العبقرية في عينيك، ساعة كنتَ تتغلب على تعقيد مسألة أو نظرية. وخفق قلبي مع كل نظرة من عينيك تجاه عينيّ، كنتُ أنتظر أن تخطىء، وبدل أن تقول: واحد+ واحد= إثنين... سوف تقول: أنتِ+ أنا =عشق أبدي.

لكنك تسببتَ بصراخ الخيبة في غابات أملي. لم تخطىء مرة

واحدة، وبقيتْ عيني مجرد شاشة تستعرض عليها أرقام معادلاتك.

أراهن أنكَ لم تلاحظ لون حبك في عيني. أراهن أنكَ لم تلاحظ أن تلك المعادلات لم تحتل مسافات إدراكي، بل أن عينيكَ إجتاحت صحراء عمري وزرعت فيها النرجس والياسمين.



      لو تدري كم تمنيتُ أن تفهم أن نظرتي اليكَ لم تكن نظرة من يتابع كلامك، بل إنها نظرة إمرأة طفلة، عطشى للمسة حنان تخرج من شفتيك، لمسة تتجسد كلمة واحدة "أحبكِ".

وقتها كنتُ سأمزق كتبي، وأخلع مراهقتي، وأحل ضفائري، وأتبعك...

لكنكَ رحلت!

إعتقدتَ أنك حشوتَ دماغي بنظرياتك، لكن الحقيقة مغايرة تماماً، قد تصدمك، وتفاجىء تعبك، لكنني اعترفتُ بها، وإنتهى الأمر.






بعد وفاتي





أيام ثلاث مضت على وفاتي. 

 وجد زوجي عزاءه على طريقته. أخفى الغبار آثار أقدامي عن
  
طرقات مدينتي. ترحّم عليَّ بائع الخضار لأنه فقد إحدى أهم

زبائنه.

 خادمتي سرقت ملابسي.
وحدها مكتبتي حفظت ذكراي واحتفظت ببصماتي على رفوفها.  


 

عاشقة مجنونة





جسرٌ يصل بين اتزاني وجنوني، يراودني شغفي أن أنسفه. 



لولو والأجنحة

 
     لم يتجاوز نجاحي في الإمتحانات الرسمية المتوسطة... المعدل العام. أو كما قالت أمي ساخطة
"نجحت على الحافة". 
فلطالما كنتُ مراهقةً غير متوافقة مع محيطي، مما جعلني ساخطة على
الدراسة والمدرسة، لأن قوانين الدراسة والتزاماتها كانت تخنق فيَّ روح
 الإنطلاق والحرية، وتمنحني دائماً إحساس عصفورٍ سجنوه قصراً في
قفصٍ مهترىء.
أعرف أن تقريع أمي لي ولومها، نابعٌ من حبها لي ومن إصرارها وعزمها على أن
تجعل مني أنثى مكتملة النضج والفهم والوعي، لكنني بسذاجة المراهقين وقتها كنتُ أ‘تبر تقريعها لي هو تدخلٌ سافرٌ
 بخصوصياتي وخنقٌ ظالمٌ لإرادتي.

دخلتُ غرفتي ساخطة على الدنيا بأسرها، كم أتمنى لو أنني حمامة أو فراشة تطير في الفضاء متنقلة من شجرة إلأى شجرة ومن
 زهرة إلى أخرى... 
نمتُ ليلتها وأنا أحلم بالتحليق.


... استفقتُ فجراً على نغمات ناي خفيفة، فتحتُ عينيَّ فرأيتُ إمرأة لها جناحين تعزف أمام سريري!
ابتسمتُ وقلت: هل أنتِ ملاكٌ أم جنية؟
اوقفتْ العزف وقالت باسمة: أنا جنية الحرية.
فوجِئتُ بنغمة صوتها الموسيقية وبوقع كلماتها في أذنيّ...
فقلت: ما معنى ذلك؟
أجابت وهي تمسك بيدي داعية إياي للنهوض من السرير: سوف أمنحكِ الجناحين اللذين لطالما تمنيتهما!
أوقفتني أمام المرآة، فوجدتني وقد أصبح لي جناحان كعصفورة. ذهلت وأخرستني المفاجأة.
 ابتسمتْ بحنان أمومي وقالت: سيكون الجناحان لكِ طوال النهار...  رافقي العصافير وستعرفين منها سرّ التحليق.
فتحتْ النافذة وغابت بين السحاب!

رفرفتُ بأجنحتي وحلقتُ في الفضاء.
اقترب مني عصفور ساحر الألوان، وقال مغرداً: مرحباً أيتها الإنسية... لا بأس بأجنحتكَ فأنتِ تجيدين الطيران.
ذهلتُ من كلامه وقلت بذعر: هل أنتَ ساحر؟
غرَّد بمرح وأجاب: لا... أنا عصفور... وأنتِ فهمتِ لغتي لأنكِ عصفورة مثلي الآن.
فقلتُ له: والله ما زلتُ غير مصدقة لكل ما يجري... لا بد أنني نائمة وأحلم.
غرَّد بمرح أكبر وقال: صدقي يا صديقتي الإنسية... يبدو أنكِ فتاةٌ طيبة القلب صافية الروح، لذا أرسلتكِ جنية الحرية إلينا لتتعلمي
 منا سرَّ التحليق.
جاريتهُ في اللعبة وقلت: وهل ستعلمني أنت؟
فقال وهي يشير لي بجناحه: اتبعيني وسوف ترين بنفسك.
كانت محطتنا الأولى عشاً كبيراً بعض الشيء، فيه عصافير شديدة الصغر ولا ريش لها، تقف أمامهم عصفورة تبدو وكأنها تلقنهم
 درساً ما.
جلسنا أنا وصديقي العصفور على حافة العش نراقب العصافير، فوجدتُ العصفورة تلقن الصغار تغريدات جديدة، كل تغريدة منها
 تحمل معلومة تفيد الصغير في تحليقه وتواصله مع بقية الطيور
 والبشر. 
سألتُ صديقي العصفور: ماذا تفعل هذه العصفورة؟
أجاب وهو يشدّني بعيداً عن العش: هي تلقنهم دروساً لينبت ريشهم ويحترفوا التحليق.
عجبتُ من كلامه وقلت: وهل التعليم هو مَن يمنح الريش لأجنحة الطيور.
أجاب بثقة: طبعاً... فوحده التعليم يمنحنا الأجنحة والخبرة تمنحنا التحليق.
فأجبتُ بإستياءٍ: ولماذا لا تنبتُ لنا أجنحة نحن البشر مثلكم؟
فأجاب: ومن قال أن لا أجنحة لكم؟
أجبتُ بإمتعاض: أنا الآن إستثناء، لقد منحتني ربة الحرية أجنحة... لكن هل رأيتَ يوماً إنساناً له أجنحة؟
أجاب بثقة: أجل رأيتُ أجنحة الإنسان وكثيراً.
ضحكتُ بصخبٍ وقلت: لم أكن أعرف أن العصافير تكذب.
ضحك وأجاب: لا أنا لا أكذب... لكن قبل أن أشرح لكِ حقيقة القصة تعالي معي لأريكِ روعة أن تملكي أجنحة تحملكِ أنَّى شاء
 لكِ الهوى.
أمضيتُ مع العصافير يوماً أكثر من رائع، حلقتُ معهم في الفضاء الشاسع، وصلنا إلى أروع الغابات العذراء في أفريقيا... حلقنا
 فوق رؤوس العشاق في شوارع البندقية المائية، وهم يجوبون
 في الجندول يتبادلون الحب والغزل. 
حتى أنني رقصتُ مع الحمام في روما... وتناولتُ الطعام مع
 يمامات تركيا... 
آآآآآآآآآآآه ما أروعه من نهار ذاكَ الذي أمضيته مع العصافير.

 لكن للأسف... فحسبَ ما قالت لي ربة الحرية أنني سأنام اليوم مع العصافير لأصحو صباح غدٍ في
سريري لأعود كما كنتُ إنسانة من دون أجنحة.

قال العصفور وهو يربت بجناحه على رأسي: ما الذي أهمَّكِ الآن وقد أمضينا يوماً رائعاً؟
قلتُ بحزن والغصة في حلقي: سأعود غداً إلى سجن الأرض... وأنا أعشق الفضاء...
أعشق الحرية... وأمقتُ جداً مراقبة والديّ لي وتدخلهما الدائم في شؤوني... إضافة لسجني في مدرسة لا أطيق المكوث فيها.
أجاب بحنان: هل أعطيكِ الآن سرّ التحليق؟... سراً سيجعلكِ تنالين حريتكِ وتحلقين في الدنيا من دون جناحين.
أجبت بلهفة: وهل أستطيع فعلاً أن أطير... أرجوكَ أخبرني أنكَ لا تمزح؟
ابتسم وقال: لا لستُ أمزح... كي تملكي جناحين يمنحانكِ حرية التحليق فوق كل التقاليد البالية وسجون الدنيا ومواجعها...
عليكِ أن تنالي شهادة جامعية لتحصلي على عملٍ لائق.
أجبتُ بإمتعاض وتأفف: دراسة من جديد؟... قلتُ لكَ أمقت سجن قوانين المدارس والدراسة.
فأجاب بثقة: لكن لا شيء غيرها سيمنحكِ جناحي الحرية... إذا رفضتِ الآن إكمال دراستك، فسوف تبقين مسجونة في المنزل...
 ولربما زوجوكِ من رجلٍ لا تحبينه ولا تنسجمين معه، وسيسجنكِ
 طوال العمر في المنزل لتربية الأولاد والإعتناء بالبيت. أما لو
 تحملتِ بضعة سنوات لتنالي شهادتك... فسوف يكون القرار لكِ وحدكِ لتعيشي حياتكِ على هواكِ... ستعملين وستفرضين إرادتكِ
 إرادتكِ على الجميع وستختارين الرجل المناسب لتتشاركا بناء
عائلة.
صمتُّ ذهولاً مما قاله، لقد كان محقاً... فالرجل المتعلم المنفتح الفكر الذي أحلم به لن يقترن بي إلا إن كنتُ أنا أيضاً على مستواه
 الثقافي، أما بإمكانياتي الثقافية الفقيرة هذه فبالكاد سيزوجونني
 لشاب ضحل التفكير والثقافة وسأعيش معه حياتاً أقل من عادية.

بدأت الشمس تنحدر إلى خدرها في المقلب الآخر للدنيا... وحان موعد النوم. 
ضمني صديقي العصفور إلى صدره وقال بحنان:
 أتمنى لكِ حياتاً سعيدة أيتها الإنسية...
فكري بكلماتي وبروعة الحرية التي عرفتِها اليوم معنا عن قرب... واتبعي قلبكِ وحَدْسكِ، وستجدين طريق سعادتك...
 تصبحين على حرية.

استفقتُ صباحاً مع تغريد العصافير. فتحتُ نافذتي وأرسلتُ لهم قبلاتي الحارة...
وصرختُ من النافذة "أحبكم جميعاً".
دخلتُ والدتي إلى غرفتي، وابتسامة رقيقة على وجهها وقالت:
أتكلمين العصافير يا عصفورة.
قبلتها بحرارة وأجبت: ماما أحبكِ جداً... وأعدكِ أن أدرس بإجتهاد وأن أكون من
الأوائل.
قبلتني بحنانٍ وقالت: ما كل هذا الحماس.
نظرتُ إلى السماء وأجبتُ بإبتسامة كبيرة: سأدرس كي أحصل على أجنحة مثل العصافير.