علاج نفسي



 نفسي قد بدأتُ أجن! ذهبتُ الى عيادة طبيبة نفسية لأنني خلتُ

بعد سنتين من العلاج، وبعد أن أعلنت عائلتي افلاسها بسبب تكلفة العلاج الطويل. انتهى علاجي... 

لكن أجدني الآن وقد أصبحتُ أكثر خوتاً.

طبعاً لا عجبَ بذلك... فلقد عالجتني الطبيبة، لكنها لم تعالج المجتمع قبل أن تعيدني اليه.

الدين... والأخلاق... ووعي المثقف




ارتأى مرسيا الياد أنه "من المؤسف أن لا يكون متوفراً لدينا كلمة أدق من كلمة (دين) للتعبير عن إختبار الشأن المقدس.
فهذه الكلمة تحمل في طياتها تاريخاً طويلاً جداً، رغم أنه محدود بعض الشيء على صعيد الثقافة". فالشأن الديني ما هو سوى جزء من ثقافة ووعي الإنسان منذ بدأ تفلسفه. لذلك فإنه خطأ تاريخي حصر الثقافة في إطار الدين، وتوسيع الشأن الديني ليصبح هو وحده كل الوعي الثقافي. فالمقدس حسب مرسيا الياد هو "عنصر من عناصر بنية الوعي وليس مرحلة من مراحل تاريخ هذا الوعي". فليس أكثر خطأً من إعتبار الدين هو المصدر الأوحد للثقافة، وقد قرأنا عن ويلات هذا الخطأ، أثناء سريان أحكام محاكم التفتيش، سريان النار في الهشيم، وكيف فقد العالم أعظم العلماء وأجلّهم وأكثرهم وعياً وثقافة. والأمر لم يقتصر على العلماء، إذ أن المثقفين أيضاً من رجال الدين لم تسلم رؤوسهم من مقصلة محاكم التفتيش، فها هو سافونا رولا الراهب الثائر، يُحرق ويُمثل بجثت
أمام أعين المئات لأنه حمل فكراً ملؤه الإيمان والثقافة. 

فقد مرت عصور على العلماء أحرقوا فيها أحياء وحُشيت جثثهم بالقش لأنهم تجرؤا على الخروج قيد أنملة عن ما هو شأن ديني، أو لا تفسير ديني له. فها هو لافوازييه أبو الكيمياء، قد سقط رأسه تحت مقصلة محاكم التفتيش "لأن الجمهورية ليست في حاجة الى علماء، كما قال أحد النباحين المتملقين الى الجمهور الغبي، رداً على من أستكبر قتل عالم عبقري من هذا الوزن، وأستفظع الجريمة الهائلة تُرتكب بحق الحضارة الإنسانية، وقد أبى الجمهور المناضل إلا أن يرى رأس لافوازييه مرفوعاً بيد الجلاد، ليطمئن خاطره الى أن الجهل قد زال، والعلم قد ساد"... حسب ما ذكر جورج جرداق.
هذا ليس تحاملاً على الدين بل إنها محاولةٌ لقول أن الدين هو لله أما الوطن والكون فهما للجميع. فمن الخطأ إعتبار الدين هو مطلق الثقافة، لا بل أصبحت كل طائفة دينية أو سياسية تمارس إعتقادها بعيداً عن الإنفتاح على الطوائف الأخرى، فأصبحت كل طائفة سجينة معتقدها بأنها هي وحدها على حق وأن ما عداها من طوائف لا تعرف ما هو الدين وما هي السياسة. فكيف تتعايش هذه الطوائف وكيف بالأحرى يجد الملحد أو العلماني مكانه في مجتمع قائم على الدين. فمجتمع كهذا لن يعرف السلام، وستحكمه العصبية والطائفية ليصبح الوطن وحتى الأوطان كلها، عبارة عن مجتمعات متطاحنة، تعيش صراعها المرير على فرض الرأي الأوحد النابع من فكر مجموعة متقوقعة على نفسها داخل شرنقة الطائفية والعصبية والقبائلية.

مع العلم أن هذه القوقعة لم تكن هي الهدف من تدين الإنسان منذ ملايين السنين، حين أوجد الدين ليتغلب على خوف إستحكم في قلبه وهو يشهد ظواهر طبيعية لم يكن يعرف لها تفسيراً، ففسرتها نفسه الخائفة تفسيرات خاطئة عن كل ما يحيط به، وقد عاش على تصوراته تلك آلاف السنين فبلبلت حياته بأوهام وأفكار خيالية وما زرعت في روحه سوى الرعب، لذلك وجد أن أفضل طريقة ليأمن شرّ الظواهر الطبيعية، هي أن يصطنع لها آلهة تحكمها وتتحكم بها، فعاش بذلك آلاف السنين في مجتمعات طوطمية ما أطفأت خوفه وما قضت على فطرته للمعرفة أبداً. ولم يجد ضالته سوى في العلم، فبدأ أولاً بالتفلسف لإيجاد تفسير لكل ما يحيط به، ثم وصل الى أهم الإنجازات العلمية التي أوجدت له كل المعرفة التي عاش متعطشاً لها آلاف السنين.
أما الأديان السماوية فقد جاءت بأحكام وقوانين تنظم المجتمعات وتعتني بشؤونها، ليبقى الدين هو علاقةٌ روحيةٌ تربط الإنسان بربه، وتنظم علاقته بالآخرين  وتضعها في إطار أحكام الأخلاق والضمير. هذا في الوقت الذي أجمعت فيه الأديان السماوية  والأديولوجيات الدينية الوضعية، على أن الأخلاق أولاً هي ما يجب أن يتصف بها الإنسان المعاصر، المواكب للتطور والعصرنة، فالمؤمن الحق هو الإنسان المحتفظ ببراءته وفطرته الأولى على الحب والإجتماع  لذلك فقد قال السيد المسيح (ع) "دعوا الأطفال يأتون اليّ" فقد اعتبر (ع) أن الإنسان المحتفظ بهذه الفطرة الطفولية على الحب دون مقابل والعطاء دون مِنَّة، هو المؤمن الحقيقي الجدير بأن ينال شفاعته. أما رسول الإسلام محمد (ص) فقد اعتبر أن أجمل ما يُزيّن المرء هو الأخلاق... فقال (ص) "إن أكثر ما تلج به أمتي الجنة... حُسن الخلق".

فحتى الأديولوجيات الوضعية كلها قد نادت أولاً بأن الأخلاق هي الأصل، وما كان القانون المدني والجزائي سوى للتحكم بالأخلاق وإبقائها على سكتها الصحيحة. وما الجزاء القانوني والمجتمعي سوى عملية تقويم لأخلاق إنسان إنحرفت عن مسارها الطبيعي.

ولكن!... هل إستطاع الدين وحده أن يتحكم بالأخلاق، أم أنها -الأخلاق- بقيت رهن مزاجية الإنسان، ورهن إختلاف تفسيراته لها، وإجتهاداته ضمنها، أم أن الخطأ يبقى في التطبيق لا في الدين بحد ذاته؟
اذا ما نظرنا حولنا لعرفنا الإجابة. إن الدين وحده ليس الحل لأن الدين من دون ثقافة شاملة وواسعة سوف يقع في سوء التفسير، وسوء التدبير، وسوء تنظيم مجتمعات أصبحت أحوج ما تكون الى حلٍ للجهل المستشري فيها، وللعصبية والقبائلية. إذن هي بحاجة للثقافة والمثقف بطبيعة الحال.

فما هي الثقافة؟
هي بتعريف اي- بي- تايلور في الجملة الإفتتاحية في كتابه الثقافة البدائية "الثقافة أو الحضارة- بمعناها الإثنوغرافي العام- هي الكل المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاقيات والقانون والعُرف، وأي قدرات أو عادات أخرى يكتسبها الإنسان بوصفه عضواً في المجتمع".*
حاول تايلور أن يحصر تعريف الثقافة في إطار شامل لكل ما يلج الى وعي الإنسان من خلال تفاعله مع محيطه البيئي والإنساني، ليتشكل إنسان قد يستحق لقب مثقف إذا ما تفاعلت هذه المعارف في داخله لتنتج معرفة واحدة تنطلق من أخلاق أوجدتها في داخله كل هذه المعرفة المتراكمة في وعيه.
ولأن الثقافة هي كلٌ متكامل من المعرفة، فلا يعتقدنّ أحد إنه أصبح مثقفاً من الطراز الأول لمجرد أنه قرأ كتابين في الدين أو السياسة أو التاريخ، وأنه أصبح بإمكانه تقييم الناس بناءاً على معتقداته الخاصة المنطلقة من ضيق أفقه. فالمثقف يتصف أولاً وأخيراً ببُعد النظر والقدرة الكاملة على الرؤية من جميع الزوايا والإتجاهات.

ما هي إذن علاقة الدين بالثقافة؟
رأينا في تعريف تايلور أن "المعتقدات" والدين بطبيعة الحال هي جزء من الثقافة، وليست كامل الثقافة، إذ إنه بإمكان المثقف أن يكون متديناً، لكن ليس بالضرورة أن كل متدين هو مثقف.
ولأن العصر أصبح عصر الصراعات الطائفية والنزاعات القبلية، وتسرب الجهل والتخلف الى أدق مسام هذه المجتمعات فإننا أصبحنا بحاجة الى مثقفين من الطراز الرفيع. مثقفون يضعون تدينهم وانتماؤهم السياسي بعيداً، وينطلقون في محاولة الإصلاح انطلاقاً من فكرة أن الأوطان تسع الجميع، وأن الآخر المخالف لي في الطائفة أو الإنتماء السياسي، يستحق أن أمنحه فرصةً لربما هو يستحقها كي يثبت جدارته في أي مجال من المجالات المتاحة.
إن بإمكانك أن تكون مختلفاً وأن تعلن اختلافك، ومن حقك أن يقبلك الآخر كما أنت، لكن يجب أن تعرف أن واجبك أيضاً أن تقبل الآخر بإختلافه عنك، لا أن تقاتله وتنهي حياته لأنه لا يسير حسب مسار رأيك السياسي أو الطائفي أو القبلي. والإشكالية ليست فقط في أن يقبل المتدين من هو علماني، لكن العكس أيضاً مطلوب، فكم من متدين حورب لمجرد إنه متدين، دون أن يُعطى فرصة إظهار قدراته وأفكاره وتوجهاته.

ولأن أفق الدين وحده ضيق، وأفق الحزب والقبيلة وحده لا يتسع الا لأبناء الطائفة الواحدة، فإننا كي نصبح مواطنين على درجة رفيعة من الولاء للوطن أولاً وأخيراً، يجب أن نضع الدين والسياسة جانباً، كي نسير على نهج ثقافة تسع الجميع، نهج ثقافة القانون، هذا القانون الذي نحتاجه في عصرنا الحالي، بحيث يحكمنا تحت مظلة الرعاية والعناية.

إذن فلنكن مجتمعاً مثقفاً علمانياً، شعارنا الوحيد فيه هو الإنسان. فما أحوجنا الى مثقفين حقيقيين، لا مثقفي الأنظمة والسياسات الداخلية والخارجية.





   *الثقافة  التفسير الانثروبولوجي      
   عالم المعرفة – العدد 349             
       تأليف: آدم كوبر
       ترجمة: تراجي فتحي
                                                                
                               
                               

صلاة عشق



 حين تمسك بها

تخشـــع يــدي


بيــــن أنـاملك




فهــــــل رأيتَ


يوماً يد تصلي؟









نهر النسيان




عبرتُ نهر النسيان


لكنـــــــه لفظنـــــي


إلى صخور الواقع






إكتشفـــتُ حينهــــا


 أن خوضه محرَّمٌ


علـــــى الأحــرار


والمجانين أمثالي.