السنفورة


خفقةٌ كادت توقف قلبه، وقد طالعه وجهٌ صبوحٌ، أول دخوله إلى عيادة طبيب القلب.
أيمكن أن تكون هي؟... "يا رب... فلتكن هي".
أعطى اسمه همسًا للسكرتيرة، وجلس في مواجهة صاحبة أرقَّ وجهٍ عرفه في حياته. إنها هي... لا يمكن أن تكون إلا هي.
تأمل وجهها الساهم في عالمٍ ما، ما زالت البراءة ترسم محيّاها، رغم اقترابها من عقدها السادس... السادس!
ما زال يحنُّ ويئنُّ شوقًا إلى ماضٍ بعيدٍ/قريب، جمعهما على مقاعد الدراسة.
كانا في السابعة عشرة من عمرهما.
يذكرها وهي تجلس على المقعد أمامه في الصف، وكيف كان أحيانًا يهيم بشعرها الحريري، ويسرح بين خصلاته.

نبيل... صديقه كان الوحيد الذي يعرف سره، وكان يشجعه قائلاً: متى ستصارحها لترتاح؟... نحن على أبواب الامتحانات النهائية!
فيجيب: أخاف أن أرعبها بمشاعري، وأخدش براءتها. تعرف كم هي خجولة السنفورة.
السنفورة... هكذا كان يلقبها الجميع، بسبب صغر حجمها.
اقترح عليه صديقه نبيل أن يطرح سؤالًا على جميع رفاق الصف، قبل نهاية العام... "أي جامعة ستختار؟" وهكذا سيعرف أين يجدها.

لكن!...
لعنة الله على الحرب! لطالما حطمت آمال الشباب، فالحرب الأهلية في لبنان مستمرة منذ أن ولدوا، وها هم على أبواب الجامعات، ولم تضع أوزارها بعد. فبسبب معركةٍ طاحنة، توقفت المدارس عن التعليم! وحُوِّل تلامذة السنة النهائية في جميع المدارس إلى إجراء امتحاناتٍ رسمية... لم تحصل، بل أُلغيَت في اللحظة الأخيرة، وتُرِك الشباب ليفتح أبواب الجامعات بمجهوده الشخصي.
وهكذا!... فقدها!
قصد الحي الذي تسكنه ليسأل عنها، فقيل له إن العائلة انتقلت إلى جهة مجهولة!

ها هي بعد نيفٍ وأربعين من قهر الفراق والحنين، تعود لتظهر أمامه. ما زالت ضئيلةَ الحجم، لطيفة الملامح، لم يزدها الكِبَرُ إلا وقارًا.
لكن!... ماذا تفعل في هذه العيادة؟... لا يريد أن يفكر أنها مريضة!
بعد أن فرغ صالون العيادة إلا منهما، تجرأ وانتقل للجلوس إلى جانبها. ألقى عليها التحية... فذُهلَت أنه يعرف اسمها!
عفوًا سيدي... أتعرفني؟
كانت تزداد اندهاشًا وهي تتابع كلامه، بينما يذكرها بأيام المدرسة.
ضحكت ملء فمها الصغير وأجابت:
ياااااااااه... كم تمنيتُ أن ألقى أحدكم يومًا ما... للأسف فقدتُ أثر الجميع تلك السنة.
ابتسم بكل شوقٍ وفرحٍ للقياها وأجاب:
ما زلتُ نبيلًا وأنا من أقرب وأعز الأصدقاء.
لحظة، وقالا معًا: ماذا تفعل/ين هنا؟
ثم ضحكا وكأنهما عادا مراهقَين في المدرسة، يتبادلان النكات.

خرجا من العيادة معًا، بضغط دمٍ مرتفع ونسبة لا بأس بها من الكوليسترول!
وهما ينتظران حضور نادل المقهى بقهوتهما السادة، ضحكا من هزلية الموقف؛ فأن يلتقيا اليوم تحديدًا وفي عيادة طبيب القلب بعد أن بلغا من العمر عتيًا، أمرٌ أثار سخريتهما معًا.
سألها: مَن أصبحتِ؟
أجابت: طبيبة أمراض نسائية... أرملة، وأم لشابين توأم، أحدهما طبيب جراح، والآخر مهندس.
نظرت إليه وهو يبتسم بودّ وسألت: وأنتَ مَن أصبحت يا رفيقي؟
أجاب: مهندسٌ أعزب/ يتيمٌ يبحث عن دفء العائلة... أضعتكِ يومًا ولا أنوي أن أكرر غبائي.




 

Images rights are reserved to their owners



 

 

 

 

 

 

 

No comments:

Post a Comment