مسرحجي


عباس: تعلّم يا صديقي كيف تكون مؤلفًا مسرحيًا.
عليّ: أتقصد كيف أكون مسرحجي؟
عباس: إياك أن تكون الكلمة على وزن مصلحجي!
ابتسم عليّ وأجاب: وهي كذلك...
رماه عباس بابتسامةٍ صفراء وقال: يبدو أننا لن نتفق!
أجاب عليّ وهو يقف في الباب: بالتأكيد لن نتفق...

كان هذا حوارٌ صغير جرى بين صديقين عشقا المسرح منذ الطفولة.
منذ أن جمعا عددًا من الأقارب والأصدقاء، من كلا الجنسين، وأسسا فرقة تمثيلية مسرحية تقيم عروضها في الهواء الطلق، بين ربوع قريتهما الجنوبية الجميلة.
دعم رئيس البلدية والأعضاء هذه الفرقة من الموهبين المراهقين، وقدموا لهم كل الدعم المطلوب.
فكان هذا الدعم وكل ما تلاه من تجارب مسرحية، فاتحة نجاحهما الساحق طوال سني الدراسة في معهد الفنون التمثيلية.

أما المسرحية التي كانت موضوع الخلاف بين الصديقين، فهي مسرحية موضوعها نضال الإنسان ضد عدوه وضد سياسته في اقتلاع أصحاب الأرض من جذورهم، ومقارعته في كل الميادين، خاصة منها الثقافية للحفاظ على الهوية والانتماء.
كانت المسرحية باكورة أعمالهما بعد حصولهما على الماجستير.

خلال البروفة الثالثة لاحظ عليّ تغييرات في النص الذي كتبه. كان يسمع حوارات لم يكتبها، ويشاهد مشاهد لم يكن يتخيلها. في البداية، ظنّ أن عباس يُجري تعديلات طفيفة لتناسب أداء الممثلين أو لتحسين الإيقاع الدرامي، كونه مخرج المسرحة، لكنه سرعان ما أدرك أن التغييرات كانت جذرية. حتى الشخصيات فقدت عمقها وأصبحت أشبه برسوم كاريكاتورية.
لم يستطع أن يحتمل ما يراه ويسمعه. اقترب من صديقه وسأله: عباس ما الذي يجري؟... أنا لم أكتب هذه المشاهد!
فأجاب هذا الأخير: النص كان جيدًا، لكنه لا يناسب هذا الزمن. الناس سئموا من أخبار الحرب والدمار، أنا فقط أجعل المسرحية أقل وطأة، وأقل غوصًا في عمق صراعنا مع العدو.
عندما لاحظ عبوس عليّ ربت على كتفه وقال: يا صديقي خذ الأمور ببساطة.
فالزمن يتغير، الانقسام في موضوع الانتماء الوطني أصبح كبيرًا جدًا.
شعر عليّ بخيبة أمل كبيرة... وقال: لكن!... لم يكن هذا رأيكَ عندما كلمتك عن المسرحية، ولا عندما قرأتَ النص للمرة الأولى!

هنا تدخل المنتج وقال موجهًا كلامه لعليّ: أعذرني يا أستاذ، لكن النص كما هو ثقيل على عقول الجمهور... سيفشل وسأخسر أموالي!
أجاب عليَّ: كالعادة- الجمهور عايز كده...
نظر إلى صديقه عباس بعتب وتابع: لم أتوقع منك هذا التصرف عباس، نحن أحببنا المسرح من أجل السمو بالفن، فمتى أصبحت الشهرة بالنسبة لكَ أهم من أي اعتبارات!
نظر المخرج والمنتج إلى بعضهما بابتسامة تواطىء صفراء، ولم يجيبا.
فأكمل عليّ: أبارك لكما على النص الجديد، وأتمنى لكما التوفيق، لكن... لا تذكرا اسمي كمؤلف للنص... رجاءًا.


فشلت المسرحية، فأدرك عباس خطأه.
حاول أن يتواصل مع عليّ ليحاولا من جديد العمل معًا، لكن الأخير كان قد اتخذ قرارًا... أن يبتعد عن التأليف المسرحي لفترة، بهدف كتابة رواية يعبّر فيها عن وجهة نظره بالفن في زمن الإسفاف هذا، ليثبت أن الكاتب الحقيقي يدافع عن رؤيته، حتى لو كان الثمن المزيد من التقوقع بعيدًا عن أضواء الشهرة.




Images rights are reserved to their owners



أثقل النعوش




نم يا طفلي في مهد الملائكة

فطـــــــــــائرات العــــدو...

لا تعرف إلى الجنة طريقًا.









أطفال لبنان
أطفال فلسطين
أطفال اليمن
لن ننساكم



 Image rights are reserved to the owner

رقصة زوربا

 

كلما قرأتَ كتابًا في الإنسانية، ستجدُني أتراقصُ بين السطورِ طيفًا لا

 يَعِيهِ سوى المشتبكِ، الَّذِي عَلَّمَتْهُ الثَّوْرَاتُ كَيْفَ يَجِدُنِي فِي سِيَاقِ

 السَّرْدِ.




العجوز والتيك توك


فجأة اختفت من المشهد!... وكأن الأرض ابتلعتها.
منذ سنواتٍ وأنا احتمل فضولها. عجوز نمامة من عجائز الحيّ!

بعد انتقالي للسكن في هذا الحي بمدة لا تتعدى اليومين، وجدتها تقف في بابي، في تمام السابعة صباحًا!
فتحتُ الباب على مضض وأنا بالكاد أفتح عينيَّ، دخلتْ قبل أن أقول شيئًا وزعقت: صباح الخير... أما زلتِ نائمة؟
نظرتُ إليها وقلت: عفوًا سيدتي... لكن مَن أنتِ؟
ضحكت ساخرة وقالت: صبايا هذه الأيام لا يعرفون جار ولا يقرعون باب دار.
توجهتْ إلى المطبخ وكأنها في منزلها وهي تقول: سوف أحضر القهوة.

اتصلتُ بمالك الشقة وأخبرته عن المقتحِمة!... فقال: سامحيني أرجوكِ لأني لم أحذرك منها.
فقلتُ وأنا أكاد أبكي: وماذا أفعل الآن؟ لقد اقتحمت بيتي!
فأجاب: أرجوكِ... أرجوكِ احتمليها الساعة فقط، وأنا سأكون عندكِ بعد الظهر لأجد لكِ حلًا... أرجوكِ فقط هذا الصباح.

صبت لي فنجانًا من القهوة وصبت لنفسها آخر، ابتسمت وقالت:
يبدو أنكِ كسولة، لم اعتد على جارة عبوسة مثلك.
قطبتُ وقلت: عبوسة؟...
أجابت وهي تشعل سيجارة: أكره الأبواب المغلقة بيني وبين جيراني، كنتُ وساكنة المنزل قبلكِ نترك الأبواب بيننا مفتوحة.
قلتُ لنفسي: لا بد أنها كانت مثلك شمطاء نمامة.
أمسكت هاتفها وقالت: أعطني باسوورد الوايفاي.
يا إلهي!... كنتُ أود أن أقتلها، لكنني تمالكتُ نفسي وقلت: لم أشترك بعد.
امتعضت بزم شفتيها وسألتني: لاحظتُ أنكِ وحدك؟ أين زوجك؟
أجبت: لستُ متزوجة.
دهشتْ ثم قالت: وأين أهلك؟
بدأتْ أتلذذ بإثارة حفيظتها فقلت: والديَّ متوفيان، وأخوتي مسافرون.
جحظت عيناها وقالت: تسكنين وحدك؟
ابتسمت ولم أجب.

لم أعد أفتح بابي بوجه الثرثارة.
فقد اقترح مالك الشقة أن أضع عينًا سحرية في الباب، وأن أنزع الجرس!

مضت شهورٌ طوال... كلما مررتُ من أمامها تحاول بشتى الوسائل أن تستدرجني لحديثٍ أشبه باستجواب، تريد أن تعرف كل شيء عني، كانت مقتنعة أنها ستجعلني "اجتماعية" مثلها!
تذكرتُ مقولة نيتشه "كلما كان الإنسان اجتماعيًا، كلما كان عقله فارغًا".
قد لا تكون المقولة منطقية بالمطلق، لكنها تناسب هذه الثرثارة 100%.

ذات يومٍ شديد البرودة، سمعتُ جلبة في الشارع استرعت انتباهي، كان صراخ النسوة عاليًا، استعذت بالله من الشيطان، هل مات أحد!؟
هرج ومرج... ضحك ونحيب! ماذا يجري!
فضولي قادني لأن أنضم إلى الجيران في الشارع.

إليكم الحكاية...
أقسم أنني لستُ شامتة أو متشفية، بالعكس لقد حاولتُ أن أدافع وأضع حدًا للموضوع.

كانت حفيدة العجوز الثرثارة، قد نشرت فيديو على منصات السوشيال ميديا، تظهر فيه العجوز ترقص وتهتز كالمجانين مع أحفادها، يبدو أنه حفل عائلي.

نسيتُ أن أخبركم، أنها ورفيقاتها من رواد التيك توك والإنستا!

رفيقاتها كنَّ في طليعة مَن يقرِّعها.
واحدة قالت "تفه عليكِ... احترمي شيبتك، ابن بنت حماكِ ما صار له شهر متوفى... العمى بقلبك شب متل قلب النهار!"... والثانية تقول "يخرب بيتك شو جنيتي؟... زوجي بعد ما صار ماضي أربعين يوم على وفاته!"

الكل ينتقد ويلوم، يسخر ويهين، ويقرِّعون زوجها لأنه لا يعرف كيف يلجمها. زوجها يشتم، وهي تنتحب.

حاولتُ أن أُقنع الناس أنها بريئة، فهي ليست سوى جَدة أحبت أن تشارك أحفادها الفرح، لكن مَن أنزل الصور على السوشيال ميديا هو الملوم.
لكن!... العجوز شربت من الكأس الذي لطالما جرَّعته للناس.

... شاع في الحي أن زوجها قد طردها واستقر في القرية وحده. ومنهم من يقول أنها معه لكنه يسجنها هناك... و... و...
بعد عدة أيامٍ نسي القوم الحكاية، لتبدأ حكاية أخرى. والناس حكاياتٍ يتسلى بها الناس!



Images rights are reserved to their owners


مرمى سفر


في المساء، تتألق طرقات ذاكرتي بأضواء مصابيحها، وتعزف سيمفونية الحنين إلى رجلٍ يبعده عني... مرمى سفر.
هناك أجالس الليل على رصيف الانتظار. أشهق بوجعي، وأبكي طول انتظاري. يمر العمر ولا يلتفت إليَّ... ويمضي!

تلاحقني لعنة ولادتي في غربةِ والدَين أقترفاني في ليالي السفر.
في حقيبتي ركام طفولة، وجواز سفر بدمغة "عابرة سبيل ".

 محطةٌ للانتظار أنا، المطار قلبي، وطائرتكَ أضاعت البوصلة، منذ أن نزعوا منكَ التحليق، ووضعوك في صحراءٍ من الغربة، قمرها ذبيحٌ ورمالها متحركة تعيقكَ عن المسير!

يوم وشمتَ قلبي بالحب، كان تاريخٌ من الخيبات والهزائم والانكسارات يعربد في قلبي، فسألتك هل يحتمل قلبكَ ملحمة أحزاني؟
قلتَ يمطركِ قلبي ورود شغفٍ، لا تخافي... واهدئي... فأنا هنا، فقط بعيدٌ عنكِ مرمى سفر، وقريبًا سينتهي هذا السفر.

بعد عشرٍ ونيِّف من غرقكَ في رمال صحراء الغربة، أرسلتَ طائر الشوق وفي فمه رسالتكَ الأخيرة "انتظريني... لقد أصلحتُ البوصلة، وسوف ينتهي هذا السفر".


ألم أقل لكَ أنني منذورة للرحيل، وأنني امرأة من رمال... أتسرب مع الدقائق، انتظار... فانتظار!؟ ألم أقل لكَ أنني امرأة شاهقة الحزن منذ الولادة!
انتهى سفركَ!
حملتكَ الطائرة أخيرًا إلى تراب الوطن، ليضمكَ ابنًا بارًا، رفض أن يُدفن إلا في حضنه.

يا سليل النبض... يا سيد الغياب...
كلما جنّ عليَّ ليل الأشواق، أغوص في قلبي وأفتح أدراج الأحزان، لأجدكَ هناكَ فارسًا متوجًا في أزقة ذكرياتي.





Image rights are reserved to the owner