فنجان قهوة


صوت أم كلثوم يصدح في أرجاء المنزل، بينما أجهّز حقيبة صغيرة للسفر.
حكم علينا الهوى نعشق سوا يا عين
واحنا اللي قبل الهوى
شوف كنت فين وانا فين
وآه يا ليلي آه ع الوعد والمقسوم
يا ليل يا عيني آه ع الوعد والمقسوم*

وجهة سفري أعالي عكار/شمال لبنان، تلبية لدعوة ابن خالتي مروان لقضاء إجازة ليلة رأس السنة، رفقته وعائلة خالتي.
لا أصدق أنني سأعود إلى هناك، حيث التقيتها أول مرة!

يملك أبناء خالتي مشروعًا صغيرًا في أعالي عكار، مجموعة شاليهات للإيجار على مدار الفصول.

أوائل الربيع الفائت كنتُ هناك، بهدف أن أريح عقلي من التفكير بما حدث معي- قبل أن أجنّ- لعلي أنام ساعة... ساعة فقط أغمض فيها عيناي وأرحل إلى عالم اللاشيء... اللاإحساس.
كنت أخرج في أي وقتٍ من الليل أو النهار، وأمشي بلا هوادة في الطبيعة الخلابة.

في لحظةٍ مباغتة، ضربت روحي صاعقة أشد من برق السماء، صاعقة جاءت من حضورها الساحر تحت ظلال تلك الشجرة العتيقة.
وكأن شموع عمري المطفأة اشتعلت من هالة النور التي تحيطها.
كانت تجلس هناك، بين نسمات الطبيعة ونقاء الهواء، تغوص في عالم الكتاب الذي بين يديها كأنها تلامس أرواح الكلمات بشفافيةٍ متناهية. شعور غريب غمر قلبي، كما لو أن الكون كله قد توقف ليشهد ذلك اللقاء السري بين الإنسان والجمال.
رأيتُ فيها كل الحكايات التي لم تُروَ، والأحلام التي لم تُرسم بعد.
وكأن خيط من نور سطع من روحها إلى روحي، حوَّل الزمن إلى صفحة من الأدب تروي حكاية لقاء سحري بين قلبٍ يبحث عن ذاته وبين امرأةٍ يقرأها الصمت فتشع بآلاف الحكايات.

فجأة... أغلقت الكتاب ونظرت نحو الأفق حيث الشمس تغرب بألوانها الذهبية، تنسج خيوط الذكريات والآمال في قلب المساء.
تسربلتُ بخجلي لحظة رأتني! حاولتُ التواري عن مدى رؤيتها.
لكنها همست بصوت شجي: د. فارس لماذا تهرب؟
بدت عينيها كمرآة تعكس عالمًا لا يُرى، أما عالمي أنا فكان على وشك التلاشي.
تلعثمتُ وقد امتزج الترقب مع الحذر في صوتي وأنا أجيب: عفوًا سيدتي... هل تعرفينني؟
ابتمست برقةٍ وخفر وأجابت: أجل أعرفك... ألستَ تبحث عن حقيقة ما جرى معك، من ضياع مخطوط كتابكَ الجامعي؟
اختفى حذري للحظاتٍ وقلتُ بتلقائية: جئتُ إلى هذه المنطقة بهدف أن أريح عقلي من التفكير بما حدث، والله أكاد أجنّ.
أجابت بعطف: لن تشعر بالراحة إلا بعد أن تتضح معالم مأساتك... وأنا أستطيع مساعدتك!
خلتني جننتُ... فقلتُ متماهيًا مع جنوني: وهل تعرفينها أنتِ؟
ابتسمت ابتسامة العارف وأجابت: أجل أعرفها.

شككتُ بأنها مرسَلة من قِبَل الجامعة كي تستنطقني لتعرف مصير الكتاب الذي كان عليَّ تسليمه للمطبعة منذ أسبوع ولم أفعل بعد، فالكتاب مرجع في فلسفة العلوم كنتُ سأعتمده في تدريس الطلبة هذا العام. لذا قلت لأقلب معادلة الإستنطاق: تفضلي أخبريني.
دعتني للجلوس، وطلبت من شابٍ داخل الشاليه أن يحضر لها أدوات تحضير القهوة.

لن أنسى ما حييت مذاق قهوتها، وكأن عقلي كان محاصَرًا في عاصفة من الرمال، وفجأة انحسرت الزوبعة!
وبينما أنا هائم في ملكوتٍ سحري، أعادت فتح الكتاب الذي وضعته جانبًا وهي تعد القهوة، ركزت نظرها فيه مطولًا ثم نظرت إليّ وقالت: هل تريد أن تعرف الحقيقة؟... وأنبهك مسبقًا بأنها مُرَّة؟
أجبتُ وأنا لا أصدق ما يجري: أجل أريد... لكن كيف تعرفين أنتِ؟
انساب صوتها كنسماتٍ ربيعيةٍ منعشة وهي تقول: هذا الكتاب يعرف كل شيء، قصتكَ مدوَنة هنا.
ضحكتُ بسخرية وقلت: اعذريني سيدتي لكنني لا أصدق بألاعيب التنجيم والتوقعات.
ابتمست بتفهم أمٍ لطفلها وأجابت: ولا أنا أؤمن، لكن هذا الكتاب حقًا يخبرني بقصتك.

صمتُّ ولم أجد ما أقوله، نظرت مجددًا في عينيَّ وقالت: اللابتوب الخاص بك لم يسُرِق بل مُنِح هدية لأحدهم... أما بريدك الإلكتروني فقد تم "تهكيره"* كي لا تصل لنسختك من الكتاب المسجلة عليه.
قلتُ مستاءًا: ومَن فعل ذلك!؟
أجابت: لعلها زوجتك!
جحظت عيناي وقلت: ماذا قلتِ؟... زوجتي؟... لا...لا... لا أصدق.
أصرت المرأة على أقوالها وقالت: اسألها عن المدعو "زياد".
كنت مسترخيًا بما يكفي كي لا أقفز من مكاني، لكنني سألت: من هو زياد هذا؟
وقفت المرأة وهي تقول: اعذرني لقد بدأ الجو يميل للبرودة وعليَّ أن أدخل... اذهب إلى زوجتك واسألها... وإذا احتجت لأي استفسار عدّ، وستجدني هنا.
صرختُ بها قبل أن تدخل إلى الشاليه: هل أنتِ جنية!؟... لا بد أنكِ جنية!؟
وبدأتُ بتلاوة آيات من القرآن.
سمعتها تقول قبل أن تغلق الباب وراءها: اذهب إلى زوجتك واسألها يا دكتور فارس.

لحظة وصلتُ إلى "الشاليه" انقشع شيء ما داخل عقلي، وكأن غيمة تحركت من مكانها... فزعقت: زوجتي خائنة!... ومن هو زياد هذا!؟
حاولتُ أن أهدىء لأفكر بمنطق، وحاولتُ إقناع نفسي بأنني لا بد أهلوس بسبب عدم خلودي للنوم منذ أسبوع.
وأخيرًا قررتُ أن أعود في الغد إلى العاصمة، للبحث عن اللابتوب.
لكن!... لم أستطع النوم، ارتديتُ ملابسي على عجل وحملت علاَّقة المفاتيح...


وأنا أفتح باب المنزل سمعتُ وشوشاتٍ غامضة تخرج من ناحية غرفة النوم، مشيتُ كهرِّ متأهب وأنا أحمل سكينًا حادة في يدي، وفتحتُ باب الغرفة بهدوء.
مريع ما رأيته!!!

كدتُ أطعنها في عنقها، عندما شعرتُ بيدٍ تمسك بيدي... كانت يد مروان-ابن خالتي الضابط- أخذ السكين من يدي وهو يقول: حسنًا يا فارس لا تورط نفسك بهذه النفايات، حسبكَ أنكَ رأيتهما بالمجرم المشهود.


اكتشف مروان ابن خالتي خيانة زوجتي لي عن طريق الصدفة، خلال التحقيق في قضية رقيق أبيض واتجار بالمخدرات متورط بها المدعو زياد.
وقد حدد مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية وحماية الملكية الفكرية، أن زياد قد أرسل في الآونة الأخيرة كل مراسلاته من لابتوب يعود ل... اللابتوب الشخصي لي!
هنا ربط مروان حادثة اختفاء اللابتوب بزياد، وبعد أن وُضع هذا الأخير تحت المراقبة، انكشف سرّ علاقته الآثمة بزوجتي!
وبدأت كرة الثلج تكبر... وتكبر...
كان مروان يريدني أن أشهد خيانة زوجتي بوجوده، كي يكون لدي مستمسك قانوني في حال أردت رفع قضية زنا عليها.

كان هو مَن خطط لي الرحلة إلى عكار/الشمال وكل ما تلاها، من لقاء مع المرأة وحديثها معي. كانت الصبية شقيقة زوجته - اسمها مريم - وهي طبيبة أطفال.

عرفتُ فيما بعد أن الشيطانة التي تزوجتها- وهي تملك صالون تجميل- كانت تستدرج الفتيات كي يقعنَّ في شباك عشيقها زياد!
صدق مروان... أقسم أن أرفع عليها قضية زنا.

التقيتُ مريم ثلاث مراتٍ بعدها في منزل مروان، فقد كانوا مريم ومروان وزوجته، سلواي وعوني على تجاوز المحنة... بفضلهم تعافيت.


دعاني مروان إلى هذه العطلة متحمسًا وهو يقول: المنطقة ساحرة خلال موسم الثلوج.
ابتسمتُ وقلت: وهل ستكون مريم معكم؟
رد الإبتسامة بتواطىء وهو يغمزني: طبعًا... فهي أول المدعوين.

أردتُ أن أعبِّر لمريم عن امتناني لما فَعَلته معي، ولكونها أعطتني أنبل وأطهر صورة عن المرأة كما يجب أن تكون، فقد قررتُ أن أهديها شيئًا مميزًا يذكرِّها دائمًا بالرجل الذي عالجته كما يعَالج الأطفال.
هدية، إذا قبلتها مني، تكون قد طوبتني كشريكٍ لها في قهوة الصباح... والمساء.




* أغنية حكم علينا الهوى/أم كلثوم
كلمات: عبد الوهاب محمد
ألحان بليغ حمدي

*تهكير نسبة لكلمة " hacker" أي مخترِق أو مقرصَن.


 Image No1 rights are reserved to the owner
















 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شوق



ليتك يا شوق تتجمد 
كثلوج ديسمبر
فأصنع منك رجل ثلج
.وأتركه في زمهرير النسيان






Image rights are reserved to the owner

ناريمان والثماني بنات


لعل كلمة "منكوشة" تجلس على الناصية، مستاءة... لأن ناريمان يُطلق عليها هذا اللقب!
منذ أن سكنتُ هذا الحي الشعبي، وأنا أراها في جميع المناسبات شعثاء الشعر، تسير كالبطة ووراءها فراخها.
كانت ناريمان دائمًا حاملًا، فما إن ينزل -أو الأصح أن نقول- تنزل عن يدها رضيعة حتى تكون حاملًا في الأخرى.

يوم أنجبتُ طفلي الأول، كانت بنات ناريمان قد أصبحن ستة بعيون الشيطان.
عندما بدأت ابنتها رقم ستةُ بالمشي، كانت ناريمان حاملًا!

كان زوجها -أبو البنات- يُقسم أيمانًا مغلظة بأنها، إذا أنجبت فتاة هذه المرة، فسوف يطلقها ويهجّ* من البلد.
لذا... كانت مهمة والدته خلال أشهر حمل ناريمان أن تهدئ من روعه، وتقنعه بأن الله يفعل ما يريد، وأن الاعتراض على عطاء الله كفر.

يوم بلغ حمل ناريمان شهره السابع، سألها زوجها عن جنس المولود، فقالت "تقول الدكتورة إن الجنين يجلس بطريقة تجعل رؤية جنسه متعثرة".
وكان هذا جوابها كلما سألها، خلال الشهور المتبقية. وكان هو يصدقها ويضرب كفًا بكف قائلًا "لعله خير... لعله خير".


حان موعد ولادة ناريمان، نُقلت إلى المستشفى، رافقتها شقيقاتها وشقيقات زوجها، أما حماتها فبقيت في المنزل مع البنات، بعد أن أصرت على ابنها أن يذهب إلى عمله ولا يشغل باله بقضايا النساء.

قبل نهاية الدوام، اتصلت به والدته، فسألها متلهفًا "هل ولدَت؟ ماذا أنجبت؟".
أجابت والدته "تعال إلى المنزل... لا تذهب إلى المستشفى".
بهت وسأل "لماذا!؟"
أجابت والدته "افعل كما أقول لك... أنتظرك ولا تتأخر".


وصل إلى المنزل متوجسًا، كان يحدث نفسه طوال الطريق "هل حدث مكروه لناريمان؟ هل أنجبت فتاة؟ هل حدث مكروه للمولود؟".
وأخذت الهواجس تمرجحه إلى أن وصل إلى البيت.

أجلسته والدته وقالت "يا ولدي، قدّر الله عليك فاشكره وأحمده".
صرخ "هل مات المولود؟".
أجابت والدته "لا... فالمولود والوالدة بخير".
تنفس الصعداء وقال "إذن!... ".
أجابت بسرعة "صراحة يا ولدي، لقد أنجبت ناريمان توأمًا... بنتين".
وقف كمن صعقه تيار كهربائي، وقبل أن يقول شيئًا، صرخت والدته "إياك أن تكفر بنعمة الله... حلفت عليها بالطلاق وها أن الله عاقبك بأن أرسل لك توأم".

ركع على الأرض ورفع يديه للسماء وقال "أستغفرك ربي وأتوب إليك".
لعله رددها مئة مرة، أو ألف مرة، لكنه رددها إلى أن أنهكه التعب، فارتمى على الأرض ونام نومًا عميقًا.




*يهجّ كلمة لبنانية عامية تعني أن يرحل دون أن يترك عنوانًا له.




Images No1+3 rights are reserved to their owners



لعبة السيليكون


قضيةٌ حيرت جهابذة القانون، وأعجزت الأطباء!
تسابقت القنوات الفضائية للحصول على "Scoop" خاص عن القضية، فبطلها أصرّ على جعلها قضية رأي عام.
قضية أصبحت الشغل الشاغل لما يُسمى ب "المؤثرين والمؤثرات" على مواقع السوشيال ميديا الذين يدلون بدلوهم في كل صغيرة وكبيرة!

اتهمته جمعيات "حقوق المرأة"... و"النسويات" عامةً بأنه نرجسي متسلط على المرأة وحقوقها بأن تكون حرة بجسدها وخياراتها!
أما أكبر الشامتين به فكانت خطيبته السابقة، التي فك ارتباطه بها بعد أن اكتشف خضوعها لعملية تجميل لأنفها، ولم تخبره قبل الإرتباط به!

فما هي هذه القضية التي شغلت الرأي العام؟
تعرّفَ إليها في البنك حيث يعمل، كانت متدربة موصى بها من أستاذها صديق المدير، وهو خبير اقتصادي ومُحاضر في الجامعة.
أذهله جمالها، كانت حورية من حوريات الجنة... هكذا وصفها لصديقه المقرَّب.

بعد شهر تزوجا...
كان حفل الزفاف أسطوريًا.

لكن!...
كانت ليلتهما الأولى كارثة حلّت على المسكينة وكأن الزمن أراد أن ينتقم منها لكل الرجال الذين رفضت الإرتباط بهم، لأنها تريد "جنتلمان" يسرق قلبها من أول نظرة، كما حصل لها يوم التقت بكمال، عريسها الذي يصرخ الآن بوجهها كثورٍ هائج!
"رائحتكِ رائحة دمية، لقبلتكِ طعم دمية... حتى ملمسكِ ملمس دمية!... أنتِ لستِ بشر... أنتِ دمية سيليكون!".

اعترفت أمام القاضي الشرعي أنها خضعت لعمليات تجميل... سيليكون- بوتوكس- فيلر... 
ولكن!... "كل النساء تفعل ذلك اليوم، فأين الخطأ!؟".
وأصرَّ على رأيه، لها رائحة وطعم وملمس دمية!

اتهمه أطباء التجميل بالهلوسة، فلم يسبق أن زعم أي رجل أن لزوجته "طعم ورائحة دمية" رغم خضوع الكثيرات منهنَّ لعمليات تجميل أكثر مما خضعت له زوجته!.

اتهمته بالجنون... صرخت به قبل أن يفترقا أمام باب المحكمة التي حكمت له بالطلاق "اذهب إلى طبيب نفسي... أنتَ مريض ويجب أن تتعالج".

قرر أنه لن يتزوج إلا بمن تقبل أن تخضع لكشف طبي يؤكد أنها لم تخضع لأي عملية تجميل.
كان يبتسم ويقول "النسويات يزعمنَّ أن للمرأة الحرية بجسدها! حسنًا... أنا أيضًا حرَّ بأفكاري".



Images rights are reserved to their owners












مجازات الوجود


في البدءِ

كنتُ نقطةً في فضاءِ الصمت

وروحي تبحث عن ظلِّها


بينَ احتمالاتِ الضوءِ والعدم

ترى!...



ما الجدوى من الوجود؟







أحيانًا

أشعرُ أنني فكرةٌ

تبحثُ عن جسدٍ

أو ظلٌّ يمشي

على حوافِّ الوقت

أو موجةٌ تسألُ البحرَ

عن معنى العودة

بعد كلِّ انكسار.






أيها الزمنُ

يا من تسرقُ أعمارنا

وتتركُ لنا الذكرى

كحبرٍ باهتٍ على جدرانِ القلب

علّمني كيف أحتفي بلحظتي

وكيف أجدُ في الفناءِ

معنى البقاء.






الحياةُ

مجازٌ طويل

نقطعهُ بين يقينٍ عابرٍ

وظنٍّ مقيم

نحملُ وجوهَنا كأقنعةٍ

ونبحثُ عن ملامحنا

في عيونِ الآخرين.







أغفو في حضنِ فكرةٍ

وأستيقظُ على حافةِ حلمٍ

لم يكتمل؟

أيُّ سرٍّ يسكنُ فينا!

نخافُ من الغيابِ

كأننا لم نأتِ يومًا من العدم؟





نعومي


جالت الدكتورة نعومي عبد الرحمن على أكبر المستشفيات وأصغرها في لبنان، وأجرت مقابلاتٍ لا حصر لها مع أطباء ومدراء في المجالات الصحية، لتقديم شهادة الدكتوراه في طب الأطفال/تخصص سرطان الأطفال، التي حازت عليها من أعرق جامعات إيطاليا.

لكن!...
الكل كان له الإجابة نفسها "د. نعومي سوف ندرس الملف ونبلغكِ بقرارنا".

أقلقهم سواد بشرتها؟ أم أخافتهم ردة فعل آباء الأطفال المرضى؟
فالكثير من المرضى ومرافقي الأطفال، أثناء فترة تدربها في مستشفيات لبنان، لطالما رفضوا أن تزورهم إلا مع أستاذها الطبيب، كانت ترى في نظراتهم ملامح الاستخفاف أو السخرية!

آلمها الموضوع كثيرًا، لكنها أقنعت نفسها انهم ليسوا سيئين، هم فقط أبناء وطن عنصري... ومَن مِن شعوب العالم ليس بعنصري؟
فهي لم تنسَ بعد، ما تعرضت له خلال سنتها الجامعية الأولى من تنمر داخل الحرم الجامعي. والذي واجهته بالصمت، إلى أن فاض الكيل معها يوم سمعت أحدهم صدفة يهمس لرفيقه "ما أجملها... أيمكن أن تكون خادمة هنا في الجامعة؟"
التفتت إليه وقالت: لا خيي أنا مش خادمة هون، مع كل الاحترام لعمال النظافة ولأصحاب البشرة السودا. أنا طالبة بكلية الطب، وشو بتمنى يكون في اختصاص يعالج الناس من العنصرية.

خجل الشاب واحمرَّت أذناه، فابتسمت وقالت: ما تخجل هيدا مش ذنبك... هيدا ذنب مجتمع كامل، وتربية غلط.
وهكذا أصبحت نعومي أشهر طالبة في كلية الطب، بل في الجامعة بأسرها.


كان ذنب نعومي أنها ولدت طفلة غير عادية بالنسبة لمجتمعٍ لا شيء فيه طبيعي، فهي نتيجة زواجٍ بين نهى اللبنانية وعبد الرحمن الآتي من السودان لدراسة الحقوق في لبنان.
عائلة نهى عارضت هذا الزواج بشدة، فالمجتمع لن يرحم زيجة مختلطة كهذه من "أجنبي أسود"!
كانت نهى تجيب غاضبةً "ليتكم برجاحة عقل عبد الرحمن، لتروا قبح العنصرية".


تلقت نعومي تربية تمزج الحنان بالحزم، والتفهم بالشدة. فعيشها في لبنان سيكون صعبًا وقاسيًا أحيانًا، كونها كانت "سوداء كأبيها" كما نعتتها عائلة أمها والمجتمع منذ ولادتها!
علمها أبواها الثقة بنفسها منذ نعومة أظفارها، ولقَّناها أفضل أساليب التعامل مع التنمر الذي لا بد أن يُمارس عليها من قِبل مجتمعٍ عنصري بامتياز. اللهم إلا ما رحم ربي.

ولأن نكبات الدهر، لا تخطئ عنوان أحد، فقد توفي الدكتور عبد الرحمن نتيجة أزمة قلبية حادة، وترك ابنته نعومي تلميذة الصف الثانوي، تصارع المجتمع مع والدتها المحامية، التي استطاعت أن تسترجع حقوق موكليها، إلا إنها عجزت عن استرجاع حق ابنتها، بأن تمنحها جنسيتها. كما عجزت قبلها على منح جنسيتها لزوجها الحائز على دكتوراه في القانون الدولي، لعل أبواب العمل تُفتح في وجهه، بدل تنقله من عملٍ صعبٍ إلى عمل أقسى، فقط كي لا ينقص أميرته الصغيرة أي شيء، وكي تكبر وهي تفتخر بوالدها حامل الدكتوراه في القانون الدولي، والذي مُنِع ظلمًا من العمل في لبنان بسبب جنسية، بعد أن أُبعِد من وطنه السودان، بسبب مواقفه السياسية الرافضة لكل أشكال الظلم.


استحقت نعومي منحةً جامعية لإكمال تخصصها في الخارج. بطبيعة الحال شعرت والدتها بالقلق عليها، لكنها بعد التفكير ومشاورة الكثير من معارفها ذوي المناصب الرفيعة في مجالات التعليم الجامعي والعمل الطبي، تقبلت الوضع ومنحت بركتها لنعومي الطبيبة الواعدة، وهي تقول "هناك يا حبيبتي لن يقلل من شأنكِ أحد، ولن تتعرضي للتنمر بسبب لون بشرتك".


عادت الدكتورة نعومي عبد الرحمن بشهادة دكتوراه في طب الأطفال/تخصص سرطان الأطفال، بدرجة ممتاز مع مرتبة الشرف، لتبدأ معركتها في لبنان وطنها حيث ولدت وتربت، لتفرض نفسها طبيبةً نالت شهادتها من واحدةٍ من أرقى جامعات إيطاليا.

لكن!...
مرَّت الشهور الطوال، ولا أي بادرة أمل بلقاء عملٍ مع أي إدارة مستشفى سبق أن زارتها. لماذا؟
لأن لبنان ككل الدول، بلدٌ تنخره العنصرية كما التعصب الطائفي. إلا ما رحم ربي.

أدخلها هذا الوضع في متاهة، وكادت أن تصاب باليأس.
إلى أن تلقت رسالة عبر البريد الالكتروني من أستاذها في إيطاليا، والذي واظبت على مراسلته، بناءًا على طلبه، فلطالما اعتبر تفوقها الدائم، انعكاسٌ لتفوقه هو وابداعه في توجيهها، والإشراف على دراستها وأبحاثها ورسائل تخصصها في معالجة سرطان الأطفال.

بالعودة إلى الرسالة وردت فيها جملة قصيرة وحازمة!
"لديَّ لكِ وظيفة تستحقكِ وتليقين بها".
أنتظرك غدًا الساعة الخامسة عصرًا بتوقيت بيروت على موقع "زوم".


صباح الغد أرسل البروفسور جيوفاني روسّي المقال التالي:
منظمة أطباء بلا حدود هي منظمة طبية إنسانية دولية مستقلة وغير حكومية، تأسست عام 1971 في باريس على يد مجموعة من الأطباء والصحفيين. تهدف المنظمة إلى تقديم المساعدات الطبية الطارئة للأشخاص المتضررين من النزاعات المسلحة، الأوبئة، الكوارث الطبيعية، والحرمان من الرعاية الصحية، بغض النظر عن العرق أو الدين أو الانتماء السياسي.

تتألف طواقم أطباء بلا حدود من آلاف المهنيين الصحيين والموظفين اللوجستيين والإداريين الذين يعملون في أكثر من 70 دولة حول العالم. ترتكز أنشطة المنظمة على مبادئ الاستقلالية والحياد والأخلاقيات الطبية، وتسعى لتقديم رعاية طبية عالية الجودة للأشخاص المحرومين، مع احترام خصوصيتهم وحقوقهم. تعتمد بشكل أساسي على التبرعات الخاصة وتعمل بشكل مستقل عن الحكومات والمنظمات الدولية لضمان حيادها واستمرارية عملها.
بالإضافة إلى ذلك، تقوم المنظمة بحملات لخفض أسعار الأدوية وتحفز البحث والتطوير لعلاج أمراض مهملة وتقدم تقارير ميدانية لرفع وعي الرأي العام حول الأوضاع الإنسانية. حصلت منظمة أطباء بلا حدود على جائزة نوبل للسلام عام 1999 تقديرًا لجهودها الإنسانية الواسعة.

باختصار، هي حركة طبية إنسانية تسعى لتوفير الرعاية الطبية أينما دعت الحاجة وبأعلى مستوى ممكن من الجودة، مع التزامها بمبادئ الحياد والاستقلالية.

تمويل أنشطة منظمة أطباء بلا حدود يعتمد بشكل رئيسي على التبرعات الخاصة من الأفراد والمؤسسات. في عام 2024، جاء حوالي 98% من تمويل المنظمة من التبرعات الخاصة، بما في ذلك التبرعات الصغيرة التي يقدمها ملايين الأفراد حول العالم. أما التمويل الحكومي والمنظمات العامة، فيشكل أقل من 2% من إجمالي التمويل، وتفرض المنظمة قواعد صارمة على قبول أي تمويل حكومي أو خاص لضمان استقلاليتها.

تؤكد المنظمة على رفض أي تمويل من جهات تعمل في مجالات قد تتعارض مع مهمتها الإنسانية مثل شركات الأدوية الكبرى، شركات استخراج الموارد الطبيعية، شركات التبغ، ومصنعي الأسلحة.


قرأت نعومي المقال، وعملت طوال النهار على قراءة الكثير من الأبحاث والمقالات التي تتناول كل ما يخص منظمة أطباء بلا حدود كما طلب منها أستاذها.

بدأ الاجتماع على "زوم" بين البروفسور ود. نعومي، بمناقشة عمل منظمة بلا حدود.
عندما لمس البروفسور جيوفاني روسّي اعجاب نعومي بعمل المنظمة، ولاحظ المجهود الذي بذلته في قراءة وفهم كل ما يحيط بالمنظمة، ابتسم وقال: د. نعومي تحضري للمفاجأة... قررتُ أن أنضم لمكتب المنظمة هنا في روما...
تأملها وهي تبتسم بتهيِّب وكأنها تنتظر معجزة.
تابع: سوف تكونين معي... مساعدتي. ما رأيك؟
كادت أن يُغمى عليها، لكنها تمالكت نفسها وقالت: آسفة بروفسور لم أفهم... هل تريدني أن أكون...
ولأنها تبدو مذهولة وتائهة، قال البروفسور: أجل د. نعومي عبد الرحمن أريدك أن تكوني مساعدتي وأن تأتي إلى إيطاليا.


ماذا عن الإجراءات؟
وعد البروفسور بتكفل كل شيء لدخول د. نعومي عبد الرحمن إلى إيطاليا كطبيبة مهاجرة، ستعيش وتعمل في البلد!

سافرت نعومي مجددًا تاركة والدتها المحامية، لتناضل من أجل منح المرأة حقها في إعطاء جنسيتها لزوجها وأطفالها.

وهكذا حققت نعومي عبد الرحمن حلمها الكبير.
وفي إيطاليا بدأت قصتها كطبيبة تناضل في مناطق النزاعات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أطفال أبرياء يعيشون أهوال الحروب والفقر وأفتك أنواع الأمراض.


 


 

Images rights are reserved to their owners

 Image No5 rights are reserved to the blog

   

متى؟



سألته: متى نلتقي؟

أجاب: عندما تنتهي الحرب.

فقلتُ: ومتى تنتهي الحرب؟

أجاب: عندما نلتقي.



ها هو قد ذهب

في رحلته الأبدية

ولم نلتقِ!

إذن...

لن تنتهي الحرب!



 Image rights are reserved to the owner 

 

المايسترو


وهو يُحتضر، أخبر العجوز حفيده أنه ترك له إرثًا كبيرًا في وطنه الأصلي.
"اذهب بي إلى هناك... أريدك أن تدفن رفاتي إلى جانب والديَّ".
لفظ العجوز أنفاسه وهو يشير إلى الدُرج المجاور لسريره.

لبرهة لم يعرف الشاب ماذا يفعل!
بالكاد استوعب أن جده الحبيب قد فارق الحياة.
فتح الدُرج، فوجد ملفًّا مُصفرًّا قديمًا، فتحه فوجد سرّ جده!
على ورقةٍ رسميةٍ دمغها الجدُّ بختمه وتوقيعه وصية مختصرة "بعد موتي، يرث حفيدي المايسترو العالمي "حبيب سلمان' المزرعة في أعلى الجبل المُطِل على قريتي في لبنان".

وصل جثمان العجوز إلى قريته عصر يومٍ ماطرٍ شديد البرودة، يرافقه حفيده حبيب وعدد من أبناء عمومته.
شاركهم في مراسم الدفن الضابط رئيس المخفر وعناصره، أما سكانُ القرية فلم يظهر لهم أي أثر!

بعد انتهاء مراسم الدفن، زار الضابط منزل المايسترو وأخبره أن أهل القرية واجمون غلاظ، يتقاتلون لأوهى الأسباب إلى أن تسيل الدماء!
كما حذَّره من التعامل معهم، فهم حقًا أجلاف!
لكن!... سكان القرية وصية جده، ففي رسالة وجدها داخل ملف الوصية ألح عليه الجد أن يعتني بأهل القرية ويرعى شؤونهم؛ ففي أجواء القرية لعنة أزلية تنشر الهمَّ والغمَّ في الهواء!

بعد طول بحث ودراسة للوضع النفسي والاجتماعي لسكان القرية، قرر المايسترو حبيب أن يستخدم "الذكاء الاصطناعي" لمساعدته في علاج هذه الحالة الغريبة.

استعان بخبير تكنولوجي، صمَّم له بتقنية الهولوغرام عازفًا مطابقًا له في الشكل، وأطلقه في سماء القرية يعزف ألحانًا متنوعة.
بدايةً... ساد الرعب، واختبأ السكان في أقبية المنازل!

إلى أن...
بعد أسبوعٍ من المحاولات، خرج طفلٌ في غفلةٍ من الأعين وضحك!... تبعه أطفالٌ آخرون. فخرج إليهم المايسترو... ورقص!
تجمهر سكان القرية لمشاهدة ما يحصل!
"أي شيطانٍ يسكنهم!" كهذا صاحت عجوز.
حاول رجلٌ عجوز أن ينهر الأطفال بعصاه الغليظة، فزاد هرجهم وتجمهروا حوله وهم يتقافزون ويضحكون.
أمسك به المايسترو وقال: دعهم، إنَّ الفرح خُلِق للأطفال.
بعض الأمهات الشابات لفتهنَّ فرح أطفالهن فشاركْنهم الفرح... ابتسمنَّ بخجل بدايةً، ثم ضحكنَّ وأطفالهنَّ يشجعونهنَّ على الرقص معهم.

بعد عدة أشهر، بدأت تشرق العجائب في أنحاء القرية.
بدأ البعض يتبادل التحيات والابتسامات بخجل. صبيةٌ زينت رأسها بوردة... شابٌّ تقدم من المايسترو ورقص معه.
بدأت بعض النسوة يشاركنَّ المايسترو الرقص... حتى أن عجوزًا صفقَت عندما تقدم شاب وراقص جارته الشابة.

مضى عام...
اتسعت دائرة المعجزات والعجائب، وكأن أحدهم رمى حجرًا في بركة راكدة!

في رسالة أرسلها رئيس المخفر إلى مديرية قوى الأمن أعلن "لم يعد سكان القرية يتقاتلون!"

وتناقلت وسائل الإعلام خبر المايسترو العالمي حبيب سلمان، الذي أخذ على عاتقه نشر الفرح في ربوع قرية ورثها عن جده المهاجر، والتي لطالما ذاع صيت سكانها بأنهم غلاظ أجلاف.

أول سؤال طُرِح على المايسترو حبيب سلمان في برنامجٍ تلفزيوني استضافه للإضاءة على حادثة القرية كان "ما سرِّ ما قمتَ به في قرية جدك!؟ وهل حقيقة استطعتَ أن تُبطل مفعول تعويذة جعلتهم بهذه الجلافة وغلاظة الطباع!"

ابتسم وأجاب: لقد كان سكان القرية تحت تأثير خرافة توارثوها منذ عقود، تزعم أن منجّمة غجرية لعنت سكان القرية منذ 100 عامٍ بسبب طردها مِن قِبل رجلٍ متنفذٍ كان يسكن القرية يومها!
لكن الحقيقة أن ذاك المتنفذ، رفض دخول الغجر إلى القرية يومها بسبب كرهه الشديد للفرح والفن.
كما حرَّم على سكان القرية جميع أنواع الفن والأدب، سواء ممارسته أو تذوقه كهواية وشغف.
وهكذا... فقد السكان أي معنى للحياة، وتحولوا إلى مجموعة من الهمج، يتوارثون الجلافة جيلًا بعد جيل.
كل ما فعلته، أنني حركتُ مكامن الأحاسيس فيهم، وأيقظتُ المشاعر البشرية في دواخلهم، فأصبحوا ما أراده لهم جدي منذ أن غادر القرية، وقد أقسم على شرائها وتحرير سكانها من جبروت عائلة ذاك المتنفذ، وتحريرهم من تعويذة/لعنة لا وجود لها إلا في عقولهم.



 

Image No1 rights are reserved to Johanne Cullen 

Image No2 rights are reserved to jody  hewgill

Images No3-4 rights are reserved to their owners