صــــــــــراع


في داخلي طفلة ترتعش

تحت إرثها من ركام الحروب

وعلى قارعة الدمع

امرأة تقف فوق جثة الأمل

تدخن اللامبالاة... سيجارة

تشتم الحياة

وتتفاوض مع الموت.



في داخلي صبية

جاثية على وجعها

تبكي وتنتحب

وفي زاوية معتمة

تجلس عجوز حكيمة

تقرعها على الضعف.



في داخلي... قهرٌ وغضب

وألف ألف مقاتل

يقرعون طبول الحرب

ثأراً لأشلاء الطفولة

واليتم في زوايا القهر

يندب معي وهن أسلحتي

أمام هول الفاجعة.





Image rights are reserved to the owner

أم العميل


...وقبل أن يرتد إلى العين طرفها، كانت قد غرست سكينها في قلبه وهي تصرخ: هذه من أجل أطفال فلسطين... وأطفال الجنوب.

أثناء المقابلة معها في مبنى النيابة العامة، سألتها "لماذا قتلتِه؟"... فأجابت "لن أصبح أم العميل".


فاطمة... ضحيةٌ من ضحايا عملاء العدو الإسرائيلي، كان لها من العمر اثنا عشر عاماً، يوم قتل العميل الملقب ب "الصقر" والدها وشقيقها ابن السادسة عشر، بعد أن كمن للعائلة الرافضة للتجنيد في صفوف العملاء. فوالدها فضَّل الهرب في ظلام الليل بعائلته الصغيرة، لكن المدعو "الصقر" كمن للعائلة في خراج القرية الحدودية، قتل الأب وابنه... واغتصب فاطمة!

استفاقت القرية على المصيبة...
نُقلت الأم وابنتها إلى المستشفى، كانت الوالدة مصابة بجلطة دماغية، ستتسبب لها بالشلل وفقدان القدرة على النطق، والطفلة تنزف من جميع أنحاء جسدها الغض.

شُيِّع الشهيدين قبل أن تنطق فاطمة، لتخبرهم أن مَن فعل ذلك هو "الصقر".


خطأ طبي- سوء تقدير من الأطباء... أو لعله القدر! بعد مضي شهورٍ على الكارثة، اكتشف أحد الأطباء الموكلين بعلاج فاطمة، أن الطفلة حامل! ولأنها في شهرها الثالث، فقد رفض الطبيب إجراء عملية إجهاضٍ لها، فهذا يشكل خطراً كبيراً على حياتها.
يوم وضعت فاطمة طفلها، انتقلت الأم إلى رحمة الله.


كانت حرب فاطمة أن تربي طفلها بعيداً عن والده البيولوجي. وقد رفضت أي صلة معه.
كان أهل القرية يقولون "فاطمة تربي ابنها كل شبر بنذر*... جعله الله صالحاً وباراً بها بعد كل ما عانته".


عام 2000 يوم اندحر العدو عن جنوب لبنان، وتحررت الأرض، كان ابن فاطمة قد بلغ عامه الثاني.
انتظرت أن يُحاكم العملاء. لكن! للأسف... القانون في لبنان تساهل جداً معهم، أمرٌ سيدفع المجتمع المقاوم ثمنه باهظاً.

يوم قابلتها في النيابة العامة وعرّفتها عن نفسي بأنني محاميتها قالت "لو أن القانون عاقب قاتل والدي وشقيقي، لو أن القانون عاقبه بذنبي أنا، لو أن القانون علق المشانق... لما وصلنا إلى هنا".


7 أكتوبر 2023 يومٌ مجيد، أشرقت شمسه على خبر طوفان الأبطال... "طوفان الأقصى".
بطبيعة الحال رفضت ابنة الجنوب المقاوم أن تغادر قريتها الحدودية. فهي ولدت هنا، ولن تموت إلا هنا.


لكن!... ما الذي يجري!؟
أمر عجيبٌ... تصرفات ابنها غريبة، يتحدث ليلاً في هاتفه هامساً، ثم يتسلل خارجاً، بعد أن يظن أنها نائمة!
ذات ليلةٍ لحقت به، فاكتشفت المصيبة! ابنها يلتقي بوالده في منتصف الليل!؟... منذ متى يلتقي بوالده!!؟
قصدت عمها، وأخبرته عن شكوكها.

جاءها النبأ اليقين بعد حوالي الشهر "ابنك يا فاطمة، جنده الصقر لصالح العدو الإسرائيلي..."
ضربت على رأسها "عميل... ابني عميل!".

حضرتْ إلى مكان اعتقاله، شقت الجموع ووقفت أمامه، فطأطأ رأسه، صفعته قائلة: سوَّد الله وجهك، وخذلك في الدنيا والآخرة...


ما زالت حربنا مع العدو الإسرائيلي مستمرةٌ منذ عقود، وما زال العملاء يختالون بين ظهرانينا، دون حسيبٍ أو رقيب.

خارج النيابة العامة، تجمهرت الجموع متعاطفة مع فاطمة، ومطالبة بإطلاق سراحها دون قيد أو شرط.




* كل شبر بنذر: مَثَل شعبي لبناني


Images rights are reserved to their owners













 

شمس فلسطين

 
أين أنا؟... لماذا لا أرى شيئاً؟... أين أمي؟... لا أستطيع أن أتنفس!... أمي... أمي... بدأتُ بالبكاء.
سمعته ينادي بأعلى صوتٍ ويقول "طفل حي... أسمع صوت طفلٍ تحت الأنقاض".

انتشلوني من تحت الركام بحذرٍ وحنو، نظرتُ إليهم وبكيتُ بأعلى صوتي، أحدهم ضمني إلى صدره، أخذ يهدهدني ويقول "لا تخف يا طفلي... لا تخف، أنتَ في أمان".
أدخلني الرجل الذي يحملني إلى الإسعاف... هكذا سمعتهم يقولون عن هذا المكان.
إنه ينزف- هكذا سمعته يقول لأحدهم- جردني من ملابسي... وقال "إنها فتاة"! مسح جسدي بقطعة قماش مبللة، ثم لف حولي منشفة نظيفة.
أردتُ أن أشكره لأنه يحاول تخفيف آلامي بلمساته، ابتسمتُ له. فبكى!... شعرتُ بدموعه تنزل على وجنتي.

شعرتُ بالأمان في حضن الرجل، فغفوت...
فتحتُ عيناي فوجدته قد وضعني على سرير، وما زال يضع يده على رأسي.

في المستشفى سمعتُ صوت امرأة!... آه هل هي أمي؟
قالت "ماذا لدينا هنا؟"
لا ليست أمي... لكنها تلمسني بعناية وحنان، استسلمتُ للمساتها، كانت تقلبني بينما الرجل يقول "مسحتُ جسدها بفوطةٍ رطبة"، لقد كانت مغطاة بالدماء".
تركتني لامرأة أخرى تعتني بي، وقالت هي للرجل "يبدو لي أن عمرها أقل من شهر، خدوشها بين المتوسطة والبسيطة، لكن في قدمها حرق من الدرجة الأولى..."
تنهدت وتابعت تسأل الرجل "وعائلتها؟"
أجاب "وجدتها تحت الأنقاض، كانت في حضن والدتها يا دكتورة... لكن للأسف أمها والجميع من حولها ارتقوا شهداء".
غص بدمعه... أردتُ أن أبكي معه، لكن الصدمة أخرستني!
إذن!... من أنا وما جدوى حياتي هنا؟

أمضيتُ في المستشفى عدة أيام، في قسم الأطفال. كنا جميعنا جرحى، نتألم... نبكي... ونلعن الحرب وإسرائيل. هكذا سمعتُ الجميع من حولي يقول "اللهم زلزل الأرض تحت أقدام الصهاينة، فهم سبب مأساتنا منذ عام 1948".

زارني الرجل المسعف، حملني بحنانٍ وقبلني وضمني إلى صدره. نظر في وجهي فنظرتُ في وجهه بتمعن وهو يقول "الحمد لله يا طفلتي لقد عثرنا لكِ على عائلة، ها هي جدتكِ قد أتت لتأخذك معها".

وضعني بين يدي امرأة رائحتها طيبة، كانت تبكي وتبتسم في نفس الوقت، قبلتني وشمتني وضمتني إلى صدرها وهي تقول "هذه تَرِكَتُكَ يا محمد... هذه تَرِكَتُكَ يا شهيد".
فهمتُ يومها أنني ابنة شهيدٍ قضى نحبه فداءً لفلسطين... شهيد على طريق القدس. فهمتُ إنني ولدتُ في أعتم زاوية من الحياة، فهمتُ أنني سأعيش جرح بملامح إنسان!



بسملت جدتي وهي تضع يدها الحنون على رأسي وقالت "أسميتكِ شمس، كما أراد أبوكِ، لقد آمن دائماً أن شمس فلسطين ستشرق يوماً بفضل دماء الشهداء".




حقوق الصور
الصورة رقم1 نقلاً عن صدى البلد
الصورة رقم 2 نقلاً عن شبكة الثبات الإعلامية

زوايا التاريخ المنسية


ما أقبح ذاك النهار، يوم اضطررنا للدخول إلى قسم التاريخ في تلك المكتبة.
جذبتني أصواتُ تأوهات موجعة... لاحقتها... أوصلتني إلى بابٍ، فتحته وجِلة ودخلت! بكاءٌ وعويل، وأسراب غراب البين تنوح فوق آلاف الجثث المتحللة!
فظيعٌ ما رأيت! صادم!

فقدتُ صوتي لهول المشهد! جذبني أستاذي وقادني إلى الخارج لعلّي أستعيد أنفاسي.
كان قلقاً وهو يناولني زجاجة الماء قائلاً: ما الذي أدخلكِ إلى هناك!؟
قلتُ وأنا بالكاد ألتقط أنفاسي: لفتتني الأصوات... سمعتُ... سمعت...
أجاب: حسناً... اهدئي لا داعي للذعر... أنا معك فلا تخافي.


طلب من النادل فنجانيّ قهوة لنا، وأنا ما زلتُ أحاول أن ألملم شتات نفسي وأستعيد توازني، بينما نجلس في مقهى مقابل المكتبة العامة، حيث كنا قد قصدناها، بهدف البحث عن وثائق وكتب في قسم التاريخ. فأنا طالبة في مرحلة تحضير رسالة دكتوراه في التاريخ الاجتماعي لدول الشرق الأوسط، التي عانت من ويلات الحروب.

استعدتُ توازني النفسي والعقلي، بفضل قهوتي- كما أحبها- سادة... سوداء ومن دون هيل.
سألتُ أستاذي: ماذا يوجد في ذلك المكان؟
ابتسم بودٍ وقال: لم أكن أود أن تعرفي بوجود ذاك القسم، بهذه الطريقة الصادمة.
أجبت بتصميم: أرجوك دكتور، أخبرني ولا تخف عليَّ، لقد استوعبت الصدمة وأنا جاهزة لأسمع.
أجاب وهو يحرك يديه بأن حسناً كما تشائين: وراء الباب الذي فتَحتِه، يوجد كهف الأسرار التاريخية.
نظرتُ إليه بتساؤل، فتابع: هناك يوجد ضحايا الحروب كافة ووقودها، من أناسٍ لم يذكرهم التاريخ إلا كأرقام.
أثار فضولي بكلامه، فسألت: هل يمكنكَ أن توضح أكثر لو سمحت دكتور؟

طلب لنا فنجاني قهوة من جديد وأشعل لفافة تبغ وقال: دعيني أولاً أطرح عليكِ سؤالاً... ماذا تعرفين عن ضحايا مجزرة دير ياسين التي ارتكبها الصهاينة في فلسطين عام 1948؟

حرتُ جواباً ففتحتُ هاتفي على الشبكة العنكبوتية... ثم قلت: حسب موقع ويكيبيديا فإن عدد الضحايا قُدِّر بـ 250 و360 شخصاً حسب المصادر العربية! كان معظمهم من الأطفال والنساء والعجزة!
هز رأسه وقال: وماذا تعرفين عن مجزرة صبرا وشاتيلا؟
أيضاً استعنتُ بهاتفي وأجبت: حسب ويكيبيديا أيضاً، فإن عدد الضحايا لم يُعرف بالتحديد، لكن التقديرات تشير إلى أنهم بين 750 و3500 من الرجال والأطفال والنساء والشيوخ المدنيين!
ابتسم وقال: ألم تلاحظي شيئاً في ورود الأرقام؟
ازدادت حيرتي وقلت: لعله ذكر الضحايا تحت مسمى ضحايا أو قتلى، لكنهم بالتأكيد شهداء.

نظر إلى وجهي بتمعن وهز رأسه وقال:
 وهو كذلك... حروب متنقلة- مجازر- احتلالات- اعتقال- ظلم- قتل- مجاعات- عبودية- استرقاق... كل ذلكَ في نظر التاريخ مجرد أرقام!... لكن ماذا عن إنسانيتهم؟ عن معاناتهم؟... مخاوفهم؟... أوجاعهم؟... معاناتهم في الأسر؟... معاناتهم بعد الأسر؟... معاناة عائلاتهم؟... ماذا عن المعوقين؟... ماذا عن المعاناة النفسية "للناجين" من الحرب والأسر والاعتقال؟... ماذا عن الناجين من المجازر؟... هل هم حقاً ناجون!! ... ماذا عن فَقد الأبناء والأحبة؟... وماذا عن... وماذا عن؟... التاريخ لا يذكر معاناة الناس كأناسٍ لها أرواح، لا يذكر آلامهم- ثكل الأمهات- يُتمَ الأبناء- الإعاقات- الجوع- العطش- البرد- التهجير... إليكِ آخر الشواهد وأفظعها، ما يجري اليوم في فلسطين! لعل أصدق ما يُقال عن حالهم وحالنا معهم، قول محمود درويش "كل الذين ماتوا نجوا من الحياة بأعجوبة"...

حضرت في ذهني صور المجازر التي ترتكبها إسرائيل في غزة، خاصة محرقة مستشفى الشفاء...
فشرقتُ بدموعي.

تابع كلامه مستاءً: للأسف أن معاناة المدنيين تزايدت مع تطور الأسلحة، فالطائرات الحربية أصبحت تنشر الموت والرعب في أنحاء البلاد... بدقائق معدودة!
مسحتُ دموعي وأنا أقول: دائماً أسأل إلى متى ستعاني النساء والأطفال بسبب الحروب؟ لماذا تخاض الحروب على أجساد وأرواح المدنيين خاصة من النساء والأطفال؟ ودائماً أصل إلى حائط مسدود!
أجاب أستاذي: لأنه قدر الشعوب... فلا حرية من دون نضال، ولا أمان من دون تضحيات.

بعد صمت برهةٍ قلت: إذن التاريخ الحقيقي هو في القصص التي لا تُذكر!
أجاب موافقاً: بالتأكيد هو هذا، فارق كبير بين التأريخ والتاريخ. التاريخ الحقيقي هو حكايات الشعوب المضحية- المتألمة- الرازحة تحت نير القهر والمواجع.

عمَّ الصمت حولنا، كما لو أن العالم قرر الوقوف دقيقة صمتٍ على أرواح الشهداء، وعلى معاناة البشرية منذ أن وجِدت.

قطعتُ الصمت وقلت: أتسمح لي دكتور أن أضيف إلى رسالتي بحثٌ في هذا الموضوع؟
أجاب مبتسماً: بالتأكيد أوافق، فهذا سيُغني رسالة الدكتوراه.
أجبت: سيكون بإذن الله تحت عنوان "زوايا التاريخ المنسية"، والعنوان الفرعي "حكايات عن الحرب، لا يرويها التاريخ".


 


Image N01 rights are reserved to the owner

Salvador Dalí (The Face of War) Image No2 rights are reserved to 

Image N03 rights are reserved to the owner

أطفال الحروب

 



سقطتُ من الجنة، فلم أجد لي وطن.

أماه... سلبوا مني الهوية والانتماء!







 Image rights are reserved to the owner


الجحيم

 


إذا كان هذا شكل الحياة...

فكيف هو الجحيم!؟







Image rights are reserved to the owner

عيد الفطر



الأعياد...

مناسباتٌ حمقاء، في زمن وأد النساء والأطفال.







Image rights are reserved to the owner

جلسة تحقيق



الاسم: وما الفرق!... أنا إنسان وكفى.

الكنية: مشتبِكة.

العمر: منذ أن اقترفتني أمي.

البلد: صبرستان.

الجنسية: عروبة ممزقة، تبول عليها طفلٌ مقطوع الأوصال انتشلته

 من تحت الركام.

مكان السكن: فوق فوهة بركان.

المهنة: التمرد.

الوضع الاجتماعي: أرملة العروبة.

الهواية: عدَّ الحروب والنكبات.

التهمة: كلما قتلوني، أولدُ من أشلائي.


قال المحقق للكاتب: اكتب يا ابني...

امرأة/ قنبلة موقوتة، قابلة للانفجار أو الانشطار. في قلبها غضبٌ

 عارم وفي دمها إعصار.

حكمنا عليها بعدّ الخِراف، لعلها تهدأ وتنام.

أشرتُ إليه وإلى مساعده وبدأتُ العد: واحد... اثنان...

صرخ بأعلى صوته: أعدموها... فلسانها مبرد، وصوتها هدير

 بركان.



  Image rights are reserved to the owner

 

طفلة الحرب


ليلة حربٍ جهنمية

وعويل شياطين الجحيم...

يعزف نشاز ألحانه

فوق جثث الأطفال...

فوق حطام الأحلام.



بكيتُ أحزان النوارس

فتساقطت آهاتي ملح بكاءٍ

على جراح إنسانيةٍ

تلملم أشلاء البراءة

من تحت الركام.



طفلة الحرب أنا

من يقرأ على روحي

سورة الدفء...

أو يعيرني جناحا عصفور

لأحلِّق فوق أشلائي؟




Image rights are reserved to the owner

 

 

 

 

المستحيل... في يدي



ليتني...

أمنحُ الثلج حرَّ قلبي

وآخذ منه الصقيع.


ألا يا بردُ... مهلاً

ارأف بحال...

أطفال الحروب.





Image right are reserved to the owner