المعجزة


استشهد أبي...
سمعتهم يخبرون أمي بعد أن حاولوا تخفيف الخبر عليها، فهي حامل... بي (جنين أنا عمري 5 أسابيع) لكنها ذكية ولماحّة، عرفت ما إن بدأ أعمامي بالكلام، بكت ونادت بأعلى صوتها باسمه.

طلبوا منها أن تهدأ لأجلي، ارتعبت جدتي لأبي ورجتها أن تهدأ من أجل جنينها، أما أنا فقد تعلقتُ بحبل السُرّة وبكيت... أجل بكيت، فليس أمرًا هينًا أن تعرف أنك ستأتي إلى الدنيا يتيم الأب.

لكنني... وبعد أن سمعت من أعمامي حكاية استشهاد والدي مفقود الأثر شعرتُ بالفخر، لأنني سأكون ابنه وحامل ارثه من طيب الذِكر والسمعة. تمسكتُ هذه المرة بحبل السرة، لا لأبكي، بل كي لا أسقط قبل أواني فتفقد أمي كلانا، أبي وأنا.


أحاطتها نساء العائلة بعنايةٍ خاصة، فهي حامل بنطفة شهيد، ويجب أن يولد ابنه ليكمل مسيرةَ مقاومة ما زلنا نتوارثها أبًا عن جد، منذ أن أستباح الكيان الغاصب جنوبنا الحبيب.

يالهنَّ من نساء قويات... صابرات... محتسبات.
لا أطيق صبرًا إلى أن ألقاهنَّ... جداتي... عماتي... خالاتي.
لي أيضًا أربعة أعمامٍ وخالان.
عائلة كبيرة... سأحبها حتمًا، فهم مسبقًا يحبونني وينتظرون قدومي.


قبل أن يبلغ حمل أمي أسابيع كافيةٍ ليصبح بإمكان طبيبتها أن تحدد جنس الجنين، حصلت معجزة أكرمني الله بها رغم أنني حتمًا سأنساها بعد ولادتي، لكن لا شك سيخبرونني بجزء منها عندما أكبر.
لقد زارني أبي وحمّلني رسالة إلى عمي الكبير!


ساعدني ملاكي الحارس بأن أزور عمي بينما هو غافٍ فوق العشب، وقد تولى صديقه زمام رمي الصواريخ بدلًا منه.

بصرني عمي في نومه طفلًا رضيعًا أمشي، أصابه العجب وصاح "أإنسٌ أم جنٌ أنتَ أيها الرضيع؟!"
فقلت "بل إنسٌ يا عماه... أنا ابن شقيقكَ الشهيد حسين... وأحمل لكَ رسالة منه".
بسمل من دهشته ثم قال "لا أصدق!"
فقلت "بل صدّق... وسأعطيك علامة... سأرشدكَ إلى مكان رفاته، وهناك ستجد رسالة في بقايا بدلته يذكر فيها أنه يريد أن يُطلق عليَّ اسم عليٍّ الطاهر".
وشرحتُ له المكان بالتفصيل...


لشدة حماسي ولدتُ "ابن سبعة أشهر"، وأعلنت الطبيبة أنني مكتمل النمو ولا حاجة بي للحضّانة.

حملتني أمي وضمتني طويلًا ثم نظرت في وجهي وهي تبكي ثم همست "ليتك تعلم يا حبيبي أي معجزة أنتَ وأي معجزة أتيتنا بها".
ابتسمتُ بوجهها، لحظتها كنتُ ما أزال أذكر تمامًا المعجزة التي حصلت، فالحياة لم تغرقني بعد بضجيجها.

ضحك الجميع حولي بحنانٍ لما رأوا ابتسامتي، أما أمي فضمتني إلى صدرها وهي تقول "له نفس ابتسامة حسين".





Strong independent woman*


وحدي كنتُ أعرف سبب ضحكهنَّ... كنَّ يهزأنَّ من زميلة لهنَّ استقالت من "position"* مهم كي تتفرغ للإنجاب وتربية الأطفال.
سمعتُ حديثهنَّ دون قصد، فقد جلسنَّ قريبات جدًا من طاولتي الخاصة، في مكان عملي في المقهى البحري.
 لفت ضحكهنَّ أنظار الزبائن، الشبان ضحكوا دون معرفة الأسباب، أما النساء فمنهنَّ من ابتسمت ومنهنَّ مَن رفعت حاجبها استنكارًا.


انتظرتُ حتى هدأت ضحكاتهنَّ وعاد حديثهنَّ ليصبح منخفضًا، اقتربتُ منهنَّ وقلت:
- معذرة يا صبايا... هل أستطيع أن آخذ من وقتكنَّ خمس دقائق.
فقالت إحداهنَّ والتساؤل في عينيها:
- تفضلي...
جلست وتابعت:
- بداية اسمحنَّ لي أن أعرفكنَّ بنفسي... أنا ورد مديرة هذا الكافيه.
بادلنني التعارف والترحيب، فتابعت:
- لفتني ضحككنَّ وحديثكنَّ... وأعذرنني لأنني سمعته، فطاولتي قريبة كما ترينَّ وقد سمعتُ دون قصد... لذا هل تسمحنَّ لي أن أعلق؟
فأجبنَّ معًا هذه المرة:
- تفضلي.

طلبت لي ولهنَّ قهوة، ثم قلت:
- قبل ثلاثة أعوام كنتُ أعيش في سلام في قريتي الجنوبية، أملك كافيه له طابع خاص، كان مختصًا بالقراءة والقرّاء، فيه مكتبة كبيرة جدًا، ومطبخ يقدم المشروبات الساخنة والباردة فقط، مع امكانية استخدام الكمبيوترات الشخصية لتوفر خدمة الإنترنت داخله.
صاحت إحداهنَّ : واو... رائع.
ابتسمتُ بخجل وقلت: شكرًا... لكن! يبدو أن حضرتك لم تلاحظي انني قلتُ "كنت"... أجل كنت، لأن العدو الإسرائيلي دمّر مشروعي الخاص كما دمّر منزلي، وها انا نازحة "وحدي" من قريتي، وأعمل هنا فقط لأنني محظوظة بقريبٍ لي من بعيد تكرّم عليَّ بأن طلب من صديقٍ له توظيفي بعد أن استعطفه بوضعي الصعب، عمل صدقة تستطيعين القول.
وجمت الصبايا...

فتابعت: كنتُ مكتفية بذاتي وعملي وحياتي الخاصة، مما سبب لي مشكلاتٍ دائمة مع شقيقاتي الثلاث، هنَّ متزوجات ويعشنَّ خارج الوطن، مهاجرات في بلاد الله الواسعة. أما أنا فكنتُ متمسكة بوطني وبوحدتي، كنت أشهر "سنغل"* في قريتي الكبيرة.
لكن!... علمتني الحرب أن القوة ليست في الوحدة، وأن الاستقلال ليس هو الاستقلال المادي، فيوم بدأ الطيران الاعتداء على القرية، لم أجد شخصًا يطمئنني أو يربت على قلبي الخائف، ويوم قدتُ سيارتي لأغادر القرية تحت وابل الغارات، لم يكن معي مرافق، فلو قتلني الصهاينة يومها، لربما بقيت أسابيع قبل أن يفتقدني أحد، ليس لقلة الأصدقاء والأقارب، ولكن لأن الجميع كان مشغول بالبحث عن مأوى آمن له ولأولاده.

دمعت عينا صبية منهنَّ فقلت: آسفة لم أقصد أن أسبب لكنَّ الحزن.
مسحت دمعتها بطرف أناملها وهي تقول: لا عليكِ...
فتابعت: يوم علمتُ بتدمير منزلي قلت "الحمد لله... سأعوض كل شيء بعملي"... لكن!... سرعان ما أخبروني أن المقهى المؤلف من طبقتين وبكل ما فيه قد أصبح رمادًا، بكيت ليلتها بحرقة، ولم أجد يدًا تمسح دموعي.

أثناء الأوقات الصعبة، ليست القوة في إظهار الاستغناء عن وجود الرجل، فحينها أنتِ وبكامل قوتكِ أحوج ما تكونين إلى عناقٍ من رجلٍ حنونٍ يجمع شتات روحك المتعبة.
أتذكرنَّ مقولة نزار قباني "أحتاج لامرأة تجعلني أحزن"؟
أتعلمنَّ معناها؟...

كلنا بحاجة لشريكٍ يجعلنا نحزن... بمعنى يسمح لنا ببكاء كل أحزاننا بين ذراعيه كعصفورٍ خائفٍ يرتجف بردًا ووحدة.
أن تكوني "سترونغ اندبندنت وومن" يعني أن تضعي يدك بيد رجل حقيقي لتتشاركا معًا في تأسيس منزلٍ يُنتِج عائلة متحابة تهدي الوطن أبناء بررة يدافعون عنه وقت الحاجة، يعيدون بناء ما تهدم، يساندون بعضهم بعضًا، يؤمنون بأن لا شيء غير الشراكة الحقيقية يمكن أن تبني وطنًا أفضل.

يا عزيزاتي... الليلة عندما تعود كلٌ منكنَّ إلى منزلها لتسأل نفسها، ماذا لو- لا سمح الله- بلحظة شعرتُ بالخوف وأردتُ كتفًا أبكي عليه أوجاعي؟
نظرتُ إليهنَّ واحدة تلو أخرى... ابتسمت وتابعت:
- سأخبركنَّ بسرّ... اليوم وأنا في الخمسين أشتاق أن أشرب قهوتي مع شريكٍ عاش معي الكثير من تفاصيل العمر، لنسترجع معًا أجمل الذكريات، ولنبكي معًا السنوات التي اغتالها العدو من أعمارنا.

دمعت عينايا... فدمعت أعين الصبايا معي.


ودعتهنَّ وأنا أقول: أرجوكنَّ لا تصدقنَّ أكاذيب النسويات وهذرهنَّ، فالهموم تتحول إلى سموم تقتلنا ببطء عندما لا نجد من نتشاركها معه، ومن نبكيها على صدره.



* امرأة قوية ومستقلة
* مركز
*  single أعزب/عزباء

تلميذة



كنتُ أجلس وراء النافذة

أراقب اليمام والعصافير

أحمّلها رسائل حب للثوار

 والأحرار.

يسألني الأستاذ عن معادلة رياضية!



كم هو غبي...

ليس في عقله سوى معادلات صماء

لا يمكن أن يفهم طبيعة الأجنحة

التي نبتت في عقلي الحرّ...

المسافر عبر الزمكان.

الجنوبية


لأنني لم أعد أعرفني حين أواجهني وأنا أقف في المرآة، قررتُ أن أمنح ملامحي المنهكة مسحة من ألوان الربيع الذي حُرمنا منه في قرانا الجنوبية المنكوبة بعدوٍ يستبيح دمانا بصكٍ شرعي من حكّام يزعمون أنهم يمثلوننا كشعب!

حدّدتُ عيناي بأسود الحداد على أحباء مضوا على طريق الشهادة، كتحية وفاءٍ من قلبي المكلوم لكثرة ما فقد في الحرب. وذلك بعد أن حاولتُ اخفاء هالاتهما السوداء ببياضٍ لم أعترف به يومًا لونًا للاستسلام.

حاولت مدّ وجنتاي بألوان الزهور، فنضحت بلون دماء الشهداء الزاكية.
وبقدرة عجائبية، تحول أحمر الشفاء بين أناملي إلى كسرةٍ سوداء من خشب سنديان قريتي، الذي رماه العدو بالفسفوري، فاحترق مع قلوبنا.


علا صوت التلفاز بصوت المذيع يتلو علينا أخبار الوطن المنكوب بطبقة مسؤولين باعوا جنوبه وباعونا بأبخس الأثمان!... لكنهم، وللعدالة طلبوا منه أن يقتلنا... بذكاء!
فبكيت... بكيتُ قهرًا... بكيتُ دهرًا من تراكم الأوجاع والخيانات... بكيتُ جنوب القداسة الذي باعه عاهروا الوطن.
فانسابت دموعي أنهار سوادٍ، وأحمرّ أنفي وقد أزكمته رائحة الدم الذي سُفك، دم "زينب بنت ضيعتي وأطفالها الأربعة." الذين سفك العدو الصهيوني دماءهم الطاهرة يوم اغتالهم... لأنه لم يتصرف "بذكاء"!

في جنوبي المنكوب، لا نضع الألوان لنتزين كما تفعل النساء، فنحن نساء الجنوب، كلما حاولنا أن نضع على وجوهنا "مكياج" الربيع، هبّت علينا ريح المصائب، لتتحول وجوهنا إلى وجهٍ أشبه بوجه "بلياتشو" حاولت أن تتجمل لعل الحياة تضحك في وجهها.

ذات الرداء الأحمر في وِجار* الذئب

بلغت ليلى ربيعها الــ 15 وما زالت تعتقد أنّ جميع سكان الغابة أصدقاؤها، رغم توصيات جدّتها الحنون.
ولدت ليلى وكبرت على وقع زئير طائرات "إسرائيل"، وخبرت إجرامه وهي ابنة 4 سنوات، يوم أغار على منزلها الآمن، فاستشهدت عائلتها، ونجت هي لوجودها يومها مع جدّتها في كوخها داخل الغابة.

ذات صباح ربيعيّ مشرق، وقد بلغت ليلى عامها الــ 15، طلبت منها جدّتها أن تحمل سلة تفاح أحمر إلى منزل خالتها، بعد أن أوصتها بأن تنتبه من الذئب الصهيوني! وبينما كانت تسير الهوينى، وتشارك الزهور رقصاتها الجميلة على وقع نسمات نيسان الطرّية، سمعت صوت خشخشة وراء ظهرها، فأوجست خيفة!

اقترب منها شاب عشريني يحمل وردة حمراء، وقال: لا تخافي يا فتاة... هذا أنا يا ليلى.
ابتسمت ليلى ببراءتها المعهودة، وقالت: ومن أنت أيها الشاب؟ وكيف تعرف اسمي؟
اقترب منها أكثر، وقال: هل تذكرين الصياد الذي قتل الذئب وأخرج جدّتك من بطنه؟
أجابت: نعم...
فأكمل الشاب: أنا ابنه... اسمي سرحان*، وقد أوصاني أبي قبل وفاته أن أعتني بك.
حزنت ليلى، وقالت: وهل مات الصياد؟ رحمه الله، كان رجلًا شهمًا عطوفًا.
رسم الشاب ملامح الحزن على وجهه، وأجاب: رحمه الله، كم كان يحبك ويحب جدتك.
وأكمل: لقد أوصاني أن أعتني بك وبجدّتك، وأن أرعاكما وأتابع شؤونكما.
فقالت ليلى: أشكرك... تبدو طيبًا مثل والدك.
فناولها الوردة الحمراء، وهو يقول: "إذًا، ما رأيك أن أرافقك؟
ناولته أكبر تفاحة حمراء، وقالت: هيا بنا... وسأعرّفك إلى رفاقي وأهل قريتي.

الحب الأول؟... أجل. وكان هذا أول وأجمل سرّ تحمله الصبية اليافعة في أعماق قلبها.


سمعت الجدّة طرقات خفيفة على الباب، بينما كانت تعدّ طعام الغداء بانتظار عودة ليلى من المدرسة. توجّهت لفتحه وهي تتمتم "اللهم اجعله خيرًا".

كان "ليث حيدر"*، زوج شقيقتها، فابتسم وقال: مساء الخير يا أم حسين.
أجابت بابتسامتها الحنون: أسعد الله مساءك يا حاج... تفضّل بالدخول.

تلك الليلة، نقل "ليث حيدر" أسوأ خبر للجدّة!
لقد خطف "العميل سرحان" حفيدتها ليلى، وهو مصمّم على إبقائها معه في جميع الأحوال، لذا فمن الأفضل أن يوافقوا على زواجها منه!
انهارت الجدّة وفقدت صوابها. كيف يعقل أن يحدث ذلك، فليلى ليست سوى طفلة صغيرة!
لكن! لم تنفع تدخّلات كبار القرية ووجهائها. كان "سرحان" يصرّ على رأيه، بل إنه هدّد بقتل ليلى إن لم يذعنوا لطلبه... فأذعنوا عنوة.

عاشت ليلى في بيت "العميل سرحان" أحلك أيام عمرها البريء. كانت تسمعه ينقل أخبار المقاومين البواسل إلى العدو، وكيف يدعو رفاقه العملاء إلى قضاء ليال من السكر والعربدة في بيته. وفي نهاية ليالي العربدة تلك، كان ينهال عليها ضربًا لأنها لم تنجب له طفلًا بعد!
لعلّ الأمر الوحيد الذي استطاعت ليلى أن تمنعه هو حملها بطفل منه، وذلك بمساعدة جدّتها ونساء القرية، فقد علّمنها فنونًا لمنع الإنجاب... فنجحت في ذلك.


ذات ليلة شتوية قارسة البرودة، وقد عبّ "العميل سرحان" ورفاقه عشرات زجاجات الخمر احتفالًا بنجاحهم باغتيال قائد جهاديّ كبير، كانت ليلى تتحضّر لإنجاز أكبر مهمة يمكن أن تتولاها امرأة لا تتجاوز الــ 16 من عمرها.

تلك الليلة، وبعد تدرّب طويل وشاق مع قريبها "ليث حيدر"، وبعد أن خرج رفاق زوجها مخمورين يتطوّحون يمنة ويسرة، تسلّلت إلى غرفة زوجها، حيث كان يشخر كخنزير، وهو ممدد على الأرض. استلت خنجرًا صغيرًا حادًّا ومسمومًا من تحت ملابسها، وطعنته في قلبه إلى أن تأكّدت من أنه قد فارق الحياة. ثم التحقت بقريبها "ليث" ومجموعة من رجال القرية، كانوا بانتظارها قرب منزلها.

عندما اكتشف رفاق العميل جثته واختفاء زوجته، علموا أنها دبّرت كلّ ذلك، فأقسموا على قتلها!

في الغابة الواسعة، كان كوخ الجدّة فارغًا. انفجر واشتعل ما إن دخله "العملاء"، فتناثروا أشلاء. وكعادة العدو، لم يحقّق في قضية وقوعهم في شباك المقاومة، ولم يهتم لمقتلهم، فهم مجرّد عملاء خونة لأبناء وطنهم!

أما ليلى وجدّتها، فلم يعرف مصيرهما حتى عام 2000، عام التحرير، حين عادتا إلى القرية، وقد أصبحت ليلى شابة مكتملة الأنوثة، في عينيها نظرة ثقة وعزيمة، وفي قلبها إيمان بقضية حملتها في دمها منذ الولادة.

عام 2024، ارتقى زوج ليلى شهيدًا، وفي عام 2025، قدّمت ليلى ولديها الشابّين فداء لأرض الوطن.

وما زالت على عهدها، صابرة محتسبة، لا تهن ولا تتنازل عن مبادئها.




* الوِجار: اسم بيت الذئب في اللغة العربية، ويكتب أحيانًا وَجار.

* السرحان: الاسم الأكثر شيوعًا للذئب.

* الليث: من أسماء الأسد، ويعني الشجاع القوي.

* حيدر: من أسماء الأسد، ويطلق عليه هذا الاسم لغلظ عنقه، وقوة  جسده، وقدرته على البطش.

صاروخ مجدرة حمرا



لا... لا يمكن أن تكون هذه الرائحة حقيقية!
لا بد أنها هلوسة شميِّة بسبب الجوع أو الإرهاق، فهو ما زال يقوم بأعماله الاستخبارية منذ عشرين ساعة متواصلة، داخل ذاك النفق في واحدة من قرى الجنوب الحدودية، التي تخوض أعنف المعارك مع العدو الصهيوني.

"يا إلهي... رائحة مجدرة حمرا هنا!؟... يا له من أمرٍ سريالي!"
ابتسم لنفسه وهو يهجس "هيا يا مجنون تأكد بنفسك أنك واهم".


قادته الرائحة إلى خارج النفق، بضعة خطوات وجد نفسه حقًا أمام مشهد سريالي... امرأة... موقد وقِدر كبير... ورائحة مجدرة حمرا...!

وبينما هو غارقٌ في ذهوله التفتت المرأة إليه وعلى وجهها ابتسامةٌ كأنها قبسٌ من نور الشمس وقالت: حضرتَ يا ولدي... تعال لتأكل.
تنحنح وقال: عفوًا يا خالة... لكن من أنتِ؟ وماذا تفعلين هنا في هذا الخلاء وطائرات العدو الإسرائيلي فوق رؤوسنا؟
جلست على صخرة وهي تفرد رغيف خبز مرقوق (صاج) أمامها وقالت: ليذهب الصهاينة إلى الجحيم، هل سيخيفوننا.

كان عباس الحر ما زال يحدث نفسه "يا إلهي... أيعقل إنها...؟".
نظرت إليه وقالت وابتسامتها الحنونة ما زالت على وجهها: اقترب يا عباس ولا تحاول أن تعرف مَن أنا... ستعرف في الوقت المناسب.
جلس على الصخرة المقابلة باذعان وقال: عرفتِ بما أفكر... إذن يا سيدتي لا بد أن تعرفي أنني لن آكل من دون الشباب.
ناولته رغيف المجدرة الحمرا وهي تقول: لا تخف كلهم سيأكلون معك... وهل أترك أولادي دون طعام!


في الساعات التالية، كان عباس كلما التقى بأحد الشباب، شكره هذا الأخير على "صاروخ المجدرة الحمرا".
فقد أجمع الشباب ليلتها على حكاية واحدة، رجلٌ ملثم أعطى لكل شاب "سندويش/صاروخ مجدرة حمرا مع بندورة وبصل أخضر"... وسلام من عباس الحرَّ.





 Image no1 rights are reserved to the owner 

 Image no2 & 3  AI 

 

 

يحاربني النزوح


في مرآتي امرأة لا أعرفها... تدعيّ أنها أنا!
فكيف يمكن لهذه العجوز المنهكة أن تكون أنا، شعرٌ غزاه الشيب، وعينان منهكتان تتزينان بهالاتٍ سوداء، لتفضحا سرًا من أسراري، فأنا لا أنام! وكيف ينام محاربٌ وسط ميدان معركته المحتدمة.

منذ نيفٍ وسنتين يحاربني النزوح، ينكرني قبل أن أنكره. يسجنني في مدينةٍ أمقت ضجيجها... فابنة الطبيعة أنا، تحت شجرة سنديانٍ جنوبيةٍ عتيقةٍ ولدتُ، فاحتفى بي القمح بأن أهداني لون حنطته.

يزورني عصفور "الدوري" كل صباحٍ، ينقر على نافذتي، ينقل لي فرح البراري، فأقفز من سباتي وأرتدي أجنحة فراشة، أتزين بوردة سكوكع*... أتعطر بالصعتر البري، أسابق العصافير وأزاحمها على شربة ماءٍ من النبع، أجلس في حقلٍ من الدحنون*، وأحضّر قهوتي السمراء على موقد قلبي، أحتسيها وأنا أدندن مع فيروز "بعدك على بالي".


أكتب قصصي على أوراق الورد، فهل حاولتَ يومًا أن تسمع ماذا تقول الوردة؟
قبل المغيب أتلو على العصافير قصائد الشِعر، فتتلوها في الصباح أناشيد للحب... للوطن... للجنوب...


منذ نيفٍ وسنتين زارنا الشيطان الصهيوني، فتركنا العصافير وحدها في فلوات الفقد تندب رحيل الأحبة... واغتيال الوطن!


المرأة في مرآتي لا أعرفها، فمن هي هذه الواجمة، التي سمحت للشتائم أن تتطاير منها في كل مكان.
لعل ما حلَّ بي هو وسوسة شيطان النزوح... أو فاجعة الجنون، فلكثرة ما أنكرتها أصبحت المرأة في مرآتي تبادلني الشتائم كلما رأتني.
اليوم صباحًا، شتمتني ما إن رأتني... رميتها بالمصباح فتهشمت.

أخيرًا أصبحت تشبهني، امرأةٌ متشظية، لها ملامح ألفُ حزن... وحزن.





* السكوكع- وردة بريّة تسمى بخور مريم.
* الدحنون- وردة بريّة تسمى الأقحوان.

في مركز الإيواء



"توفي والدي قبل أن تصل إلينا أيّ مساعدة!"

كانت هذه رسالة واتساب وصلتني من السيد (ع. ف) الذي اضطرته ظروف مرض والده لمغادرة مركز الإيواء، وترك طفلته وحيدة فيه معنا، نعتني بها كما وعدناه.

كان السيد (ع. ف) ولنطلق عليه لقب الحاج أبو مريم، شابٌ أربعيني رزقه الله بمريم بعد انتظار سنوات.
استُشهِدت زوجته ووالدته في قريتهما الجنوبية إثر غارة صهيونية على منزلهم حصلت ذات فجرٍ بينما الجميع يستعد للصلاة.


وصل الحاج أبو مريم إلى مركز الإيواء في بيروت منهكًا، على وجهه الشاب وجع الفقد والمأساة، يجرّ طفلة مذعورة، تبلغ حوالي السابعة من عمرها، عيناها دامعتان، تتلفت حولها وكأنها تبحث عن وجه مألوف، أو لعلها تتساءل عن معنى هذا العبث العصي على فهمها! كما يجرّ كرسي مدولب يجلس عليه رجلٌ مسنٌ كان نائمًا، وقد خلته بداية غائبًا عن الوعي!
نظرتُ إلى المشهد، وكدتُ أبكي حزنًا على بؤس الصورة أمامي، استدرك الحاج أبو مريم وقال "أبي مريض زهايمر، أعطيته منومًا، لأن الأصوات تجعله خائفًا فيضوج ويبدأ بالصراخ".
وضع يده على رأس الطفلة وتابع "هذه ابنتي مريم... أمي وزوجتي استشهدتا وأنا...".
بكت الطفلة فنشج معها الرجل وأنهارت عزيمته.

استغرق أمر نسج علاقة صداقة بيني وبين مريم حوالي أسبوعين، قمت بها بكل ما يلزم كي أكسب ثقة ومحبة الصغيرة، والحمد لله نجحت.
لكنني للأسف ما زلتُ أحاول الحصول على دعمٍ نفسي للطفلة، دون استجابة من أي وزارة أو جهة، فالجواب واحد "بالكاد نستطيع تأمين الضروريات". وكأن صحة الأطفال النفسية ليست من أول الأولويات والضروريات!
حرصت على تقديم كل ما أستطيعه كي أشعرها ببعض الراحة وفهم ما معنى أن تفقد أمها وجدتها. لعلني نجحتُ أو لعل الله يزرع فهمًا استثنائيًا في عقول أطفال الجنوب، فيولدون وهم واعون تمامًا لمعنى الشهادة والفقد واليتم!

أما معركتي الكبرى فكانت تأمين غرفة خاصة للجد مريض الزهايمر، فقد كان مذعورًا طول الوقت، مما اضطرنا لأن نضع حوله ستارة تخفي عنه تحرك الناس، بعد أن أوصيناهم بخفت أصواتهم.
الوحيدة التي كان لها تأثير المهدىء عليه هي مريم، كان والدها يستعين بها لتهدئة جدها، كانت تجلس معه، تحادثه فيضحك لها، وإن غابت بحث عنها بعينيه التائهتين.

والأمر الثاني الذي لم أجد له حلاً فهو حاجة المركز لسرير خاص لمريضة مقعدة لا تستطيع الحركة. لطول ما انتظرتُ الجهات المعنية، أصيبت المسكينة ب "عُقرٍ" في ظهرها وآخر في كتفها، مما اضطرنا لطلب مساعدة متطوعي الصليب الأحمر عدة مرات لعلاجها.


ذات ليلة أصيب جد مريم بعارضٍ صحي، فاستدعيتُ الصليب الأحمر لنقله للمستشفى.
كانت مريم تبكي وتسأل والدها "بابا هل سيموت جدي مثل ماما وتيتا؟"
كان كريم أحد عناصر الصليب الأحمر قريبًا منها، انحنى إلى أن أصبح على مستوى وجهها وقال "لا يا صغيرتي، لا تخافي، سوف نعيد جدك... اذهبي أنتِ للصلاة والله سوف يسمع دعاءكِ للجد"
وسمع الله دعاء مريم، ولم يمت الجد.

علم كريم بتفاصيل مشكلة والد أبو مريم، ومعاناة الأخير معه، فعرض عليه أن يقصد الشمال، عكار تحديدًا، حيث يمكن تأمين كوخ يصطحب فيه أبو مريم والده... لكن تبقى مشكلة مريم، الكوخ معزول والمنطقة نائية، والظروف أبدًا لا تناسب طفلة صغيرة.
عرضتُ عليه أن تبقى مريم معنا في المركز... فوافق وأقتنعت مريم، وكأنها أصبحت امرأة ككل امرأة جنوبية تحتمل الصعاب بصبرٍ وصمت.

تعلق قلب كريم بمريم، عوضه وجودها عن ألم فقدان ابنته التي استشهدت مع عمها وعائلته في منزلهم، يوم الأربعاء الأسود، حين ارتكب العدو الإسرائيلي أكثر من مئة مجزرة خلال عشر دقائق في بيروت وجميع أنحاء لبنان.

يوم أخبرني بقصته بكى كطفلٍ صغير وهو يقول "كنا سنقيم لها حفل عيد ميلادها في منزل عمها، وقد كنتُ في السوق ابتاع لها أكبر وأجمل لعبة... ما زالت زوجتي في المستشفى تتعالج من تبعات إصابتها".

كان يأتي يوميًا ليقضي مع مريم بعض الوقت، يُفرح قلبها بقطعة حلوى.
عندما كنت أشكره وأقول "تتحمل الكثير يا كريم من أجل مريم... جزاك الله كل خير".
كان يجيب "لا أعرف ما أصابني منذ أن رأيتها، وكأن حنان الدنيا قد صبّ في قلبي، كأن روح ابنتي تسكنها... أتألم لقصتها وأتألم عندما أشعر بها وقد اشتاقت لوالدها ووالدتها".


بعد شهرين من الغياب الموجع للحاج أبو مريم، أرسل لي رسالة الواتساب يعلن وفاة والده، ولأن المكان بعيد، فقد مات الرجل قبل أن يستجيب أحد لطلب النجدة الذي أرسله الشاب الأربعيني، الذي أنهكه الفقد، والبُعد عن طفلته الوحيدة.

بعد معاناةٍ وبحثٍ واتصالات استطاع الحاج أبو مريم أن يدفن والده بعيدًا عن قريته الجنوبية كوديعة.

قصدني في مكتبي وأخبرني عن خططه القادمة.
قال لي "لقد عرض عليَّ أحد أبناء "فنيدق" عملاً في النجارة لقاء تأمين مسكن لي ولمريم مع مكافأة مالية تعيننا على العيش إلى أن تنتهي الحرب ونعود إلى القرية، فوافقت".
تمنيتُ له التوفيق، وأخبرته أن المركز وأنا سنبقى دائمًا على استعداد لتقديم أي مساعدة نستطيعها.

أقمنا في المركز سهرة لوداع الحاج أبو مريم ومريم الصغيرة التي أحبها الجميع.
أحضرتُ الحلوى للجميع.
أما كريم فقد أحضر لعبة لمريم، كانت أجمل لعبة رأيتها في حياتي.
قال أبو مريم "هذا كثير جدًا يا كريم"
فأجاب كريم "لا... إنه قليل لقاء الحب والحنان الذين أعطتنيهما مريم، أرجو أن تقبل أميرتي هذه الهدية المتواضعة كي تذكرني دائمًا".

أشار لها والدها بالموافقة لتأخذ الهدية وقال "اشكري عمو كريم على كرمه".
شكرته وهي تبتسم ببراءة وخجل، فقال وهو يفتح ذراعيه "هلاّ أعطيتِ قبلة لصديقكِ العجوز".




Images rights are reserved to their owners


نزوح

 

كنتُ كلما نظرتُ إليه أشعر أن أمرًا غريبًا يحدث!
 
ستقولون لي أليس نزوحنا من قرانا الجنوبية وبيوتنا الواسعة الجميلة، إلى مراكز الإيواء المزدحمة أمرٌ عجيبٌ غريب!؟
هنا سأجيب بأن لا... أجل لا، فأن ننزح من قرانا الجنوبية الحبيبة لهو أمرٌ قاسٍ مرٌّ ومجحفٌ بحق حريتنا وإنسانيتنا، لكن غريب؟ لا! فهو قطعًا ليس غريبًا في زمنِ تكالب حثالات الأمم على أشرافها، وتسيِّد القرود على الأسود.

كان كئيبًا دائمًا، مهمومًا، يقضي نهاره وليله يتابع الأخبار، لا يترك تفصيلة تمرّ دون أن يعرفها ويدقق في تفاصيلها.
وكلمته المعهودة "يا رب... كيف سيحتمل الأطفال كل هذا العذاب".
كنت أجيبه "خفف عنك يا حبيبي فأطفالنا شجعان رضعوا حبّ الأرض مع الحليب وفهموا قضية المقاومة قبل أن يتعلموا نطق الحروف".
لكنه كان يبكي حالهم ويقول "لكنهم لا يستحقون هكذا حياة... لا يستحقون أن يُسحقوا هكذا تحت الأنقاض... لعنة الله على الصهاينة".

كنت أنظر إليه، يسؤوني أن أراه يتألم هكذا، فأنا أعرف مشاعره المرهفة، فهو شاعر، والشاعر يفكر بقلبه لا بعقله.
ويبقى احساسي بأن أمرًا غريبًا يحدث!... وكأننا لوحة غير متجانسة، كما لو كنا صور اقتطعت من ألبومات مختلفة وركبت ك "كولاج" لتصبح صورة واحدة هدفها التعبير عن موضوع واحد.

لكن!... غريب... أمرٌ ما غريب!


8 نيسان/أبريل 2026 أو ما يُعرف بالأربعاء الأسود في لبنان، يوم ارتكب العدو الصهيوني 100 مجزرة خلال 10 دقائق في جميع أنحاء لبنان، كدتُ أن أفقد حبيبي ياسين، فقد بكى كطفلٍ صغيرٍ فقد أمه، ونشج كما لو أنه سيلحق بها بعد هنيهة.
رجوته أن يهدىء من أجل صحته- نسيت أن أخبركم أنه مريض سرطان- اتصلت بطبيبه الخاص، فأوصاني باسم دواء يجب أن أعطه إياه، ومن حُسن الحظ أنني كنتُ أحرص على حمله مع بقية الأدوية.

بعد منتصف الليل، وبفضلٍ من الله تحسنت حاله فغفا، تمددتُ إلى جانبه وهو ما زال يمسك يدي، كنتُ أنظر إليه بأسى، أخاف أن أفقده، أخاف أن أكمل الحياة من دونه... وأكثر ما أخاف مرضه هذا الذي يبعده عني شيئًا فشيئًأ.


لعلني غفوتُ برهة!... استيقظتُ مذعورة وقلبي يخفق بشدة.
عرفتُ ما هو الشيء الغريب في حبيبي ياسين!... حبيبي ياسين ليس معي، ونحن لسنا نازحان في مأوى خاص للنازحين.
فحبيبي ياسين يرقد منذ أربعة أعوامٍ في ثرى قريته الجنوبية الحدودية. لقد أخذه السرطان مني، ومنذ أن غادرني وأنا نازحة في هذه الحياة، أنتظر أن أعود إلى حيث ينتظرني حبيبي.

أضأتُ النور، فوجدتني في سريري أحضن صورته.
يبدو أنني غفوتُ وأنا أخبره بما فعله العدو الغاشم ببيروت التي يعشق يوم ما يُسمى بالأربعاء الأسود الذي لن ننسى... وكيف ننسى!




Images rights are reserved to their owners

 

مسرحجي


عباس: تعلّم يا صديقي كيف تكون مؤلفًا مسرحيًا.
عليّ: أتقصد كيف أكون مسرحجي؟
عباس: إياك أن تكون الكلمة على وزن مصلحجي!
ابتسم عليّ وأجاب: وهي كذلك...
رماه عباس بابتسامةٍ صفراء وقال: يبدو أننا لن نتفق!
أجاب عليّ وهو يقف في الباب: بالتأكيد لن نتفق...

كان هذا حوارٌ صغير جرى بين صديقين عشقا المسرح منذ الطفولة.
منذ أن جمعا عددًا من الأقارب والأصدقاء، من كلا الجنسين، وأسسا فرقة تمثيلية مسرحية تقيم عروضها في الهواء الطلق، بين ربوع قريتهما الجنوبية الجميلة.
دعم رئيس البلدية والأعضاء هذه الفرقة من الموهبين المراهقين، وقدموا لهم كل الدعم المطلوب.
فكان هذا الدعم وكل ما تلاه من تجارب مسرحية، فاتحة نجاحهما الساحق طوال سني الدراسة في معهد الفنون التمثيلية.

أما المسرحية التي كانت موضوع الخلاف بين الصديقين، فهي مسرحية موضوعها نضال الإنسان ضد عدوه وضد سياسته في اقتلاع أصحاب الأرض من جذورهم، ومقارعته في كل الميادين، خاصة منها الثقافية للحفاظ على الهوية والانتماء.
كانت المسرحية باكورة أعمالهما بعد حصولهما على الماجستير.

خلال البروفة الثالثة لاحظ عليّ تغييرات في النص الذي كتبه. كان يسمع حوارات لم يكتبها، ويشاهد مشاهد لم يكن يتخيلها. في البداية، ظنّ أن عباس يُجري تعديلات طفيفة لتناسب أداء الممثلين أو لتحسين الإيقاع الدرامي، كونه مخرج المسرحة، لكنه سرعان ما أدرك أن التغييرات كانت جذرية. حتى الشخصيات فقدت عمقها وأصبحت أشبه برسوم كاريكاتورية.
لم يستطع أن يحتمل ما يراه ويسمعه. اقترب من صديقه وسأله: عباس ما الذي يجري؟... أنا لم أكتب هذه المشاهد!
فأجاب هذا الأخير: النص كان جيدًا، لكنه لا يناسب هذا الزمن. الناس سئموا من أخبار الحرب والدمار، أنا فقط أجعل المسرحية أقل وطأة، وأقل غوصًا في عمق صراعنا مع العدو.
عندما لاحظ عبوس عليّ ربت على كتفه وقال: يا صديقي خذ الأمور ببساطة.
فالزمن يتغير، الانقسام في موضوع الانتماء الوطني أصبح كبيرًا جدًا.
شعر عليّ بخيبة أمل كبيرة... وقال: لكن!... لم يكن هذا رأيكَ عندما كلمتك عن المسرحية، ولا عندما قرأتَ النص للمرة الأولى!

هنا تدخل المنتج وقال موجهًا كلامه لعليّ: أعذرني يا أستاذ، لكن النص كما هو ثقيل على عقول الجمهور... سيفشل وسأخسر أموالي!
أجاب عليَّ: كالعادة- الجمهور عايز كده...
نظر إلى صديقه عباس بعتب وتابع: لم أتوقع منك هذا التصرف عباس، نحن أحببنا المسرح من أجل السمو بالفن، فمتى أصبحت الشهرة بالنسبة لكَ أهم من أي اعتبارات!
نظر المخرج والمنتج إلى بعضهما بابتسامة تواطىء صفراء، ولم يجيبا.
فأكمل عليّ: أبارك لكما على النص الجديد، وأتمنى لكما التوفيق، لكن... لا تذكرا اسمي كمؤلف للنص... رجاءًا.


فشلت المسرحية، فأدرك عباس خطأه.
حاول أن يتواصل مع عليّ ليحاولا من جديد العمل معًا، لكن الأخير كان قد اتخذ قرارًا... أن يبتعد عن التأليف المسرحي لفترة، بهدف كتابة رواية يعبّر فيها عن وجهة نظره بالفن في زمن الإسفاف هذا، ليثبت أن الكاتب الحقيقي يدافع عن رؤيته، حتى لو كان الثمن المزيد من التقوقع بعيدًا عن أضواء الشهرة.




Images rights are reserved to their owners



أثقل النعوش




نم يا طفلي في مهد الملائكة

فطـــــــــــائرات العــــدو...

لا تعرف إلى الجنة طريقًا.









أطفال لبنان
أطفال فلسطين
أطفال اليمن
لن ننساكم



 Image rights are reserved to the owner

رقصة زوربا

 

كلما قرأتَ كتابًا في الإنسانية، ستجدُني أتراقصُ بين السطورِ طيفًا لا

 يَعِيهِ سوى المشتبكِ، الَّذِي عَلَّمَتْهُ الثَّوْرَاتُ كَيْفَ يَجِدُنِي فِي سِيَاقِ

 السَّرْدِ.




العجوز والتيك توك


فجأة اختفت من المشهد!... وكأن الأرض ابتلعتها.
منذ سنواتٍ وأنا احتمل فضولها. عجوز نمامة من عجائز الحيّ!

بعد انتقالي للسكن في هذا الحي بمدة لا تتعدى اليومين، وجدتها تقف في بابي، في تمام السابعة صباحًا!
فتحتُ الباب على مضض وأنا بالكاد أفتح عينيَّ، دخلتْ قبل أن أقول شيئًا وزعقت: صباح الخير... أما زلتِ نائمة؟
نظرتُ إليها وقلت: عفوًا سيدتي... لكن مَن أنتِ؟
ضحكت ساخرة وقالت: صبايا هذه الأيام لا يعرفون جار ولا يقرعون باب دار.
توجهتْ إلى المطبخ وكأنها في منزلها وهي تقول: سوف أحضر القهوة.

اتصلتُ بمالك الشقة وأخبرته عن المقتحِمة!... فقال: سامحيني أرجوكِ لأني لم أحذرك منها.
فقلتُ وأنا أكاد أبكي: وماذا أفعل الآن؟ لقد اقتحمت بيتي!
فأجاب: أرجوكِ... أرجوكِ احتمليها الساعة فقط، وأنا سأكون عندكِ بعد الظهر لأجد لكِ حلًا... أرجوكِ فقط هذا الصباح.

صبت لي فنجانًا من القهوة وصبت لنفسها آخر، ابتسمت وقالت:
يبدو أنكِ كسولة، لم اعتد على جارة عبوسة مثلك.
قطبتُ وقلت: عبوسة؟...
أجابت وهي تشعل سيجارة: أكره الأبواب المغلقة بيني وبين جيراني، كنتُ وساكنة المنزل قبلكِ نترك الأبواب بيننا مفتوحة.
قلتُ لنفسي: لا بد أنها كانت مثلك شمطاء نمامة.
أمسكت هاتفها وقالت: أعطني باسوورد الوايفاي.
يا إلهي!... كنتُ أود أن أقتلها، لكنني تمالكتُ نفسي وقلت: لم أشترك بعد.
امتعضت بزم شفتيها وسألتني: لاحظتُ أنكِ وحدك؟ أين زوجك؟
أجبت: لستُ متزوجة.
دهشتْ ثم قالت: وأين أهلك؟
بدأتْ أتلذذ بإثارة حفيظتها فقلت: والديَّ متوفيان، وأخوتي مسافرون.
جحظت عيناها وقالت: تسكنين وحدك؟
ابتسمت ولم أجب.

لم أعد أفتح بابي بوجه الثرثارة.
فقد اقترح مالك الشقة أن أضع عينًا سحرية في الباب، وأن أنزع الجرس!

مضت شهورٌ طوال... كلما مررتُ من أمامها تحاول بشتى الوسائل أن تستدرجني لحديثٍ أشبه باستجواب، تريد أن تعرف كل شيء عني، كانت مقتنعة أنها ستجعلني "اجتماعية" مثلها!
تذكرتُ مقولة نيتشه "كلما كان الإنسان اجتماعيًا، كلما كان عقله فارغًا".
قد لا تكون المقولة منطقية بالمطلق، لكنها تناسب هذه الثرثارة 100%.

ذات يومٍ شديد البرودة، سمعتُ جلبة في الشارع استرعت انتباهي، كان صراخ النسوة عاليًا، استعذت بالله من الشيطان، هل مات أحد!؟
هرج ومرج... ضحك ونحيب! ماذا يجري!
فضولي قادني لأن أنضم إلى الجيران في الشارع.

إليكم الحكاية...
أقسم أنني لستُ شامتة أو متشفية، بالعكس لقد حاولتُ أن أدافع وأضع حدًا للموضوع.

كانت حفيدة العجوز الثرثارة، قد نشرت فيديو على منصات السوشيال ميديا، تظهر فيه العجوز ترقص وتهتز كالمجانين مع أحفادها، يبدو أنه حفل عائلي.

نسيتُ أن أخبركم، أنها ورفيقاتها من رواد التيك توك والإنستا!

رفيقاتها كنَّ في طليعة مَن يقرِّعها.
واحدة قالت "تفه عليكِ... احترمي شيبتك، ابن بنت حماكِ ما صار له شهر متوفى... العمى بقلبك شب متل قلب النهار!"... والثانية تقول "يخرب بيتك شو جنيتي؟... زوجي بعد ما صار ماضي أربعين يوم على وفاته!"

الكل ينتقد ويلوم، يسخر ويهين، ويقرِّعون زوجها لأنه لا يعرف كيف يلجمها. زوجها يشتم، وهي تنتحب.

حاولتُ أن أُقنع الناس أنها بريئة، فهي ليست سوى جَدة أحبت أن تشارك أحفادها الفرح، لكن مَن أنزل الصور على السوشيال ميديا هو الملوم.
لكن!... العجوز شربت من الكأس الذي لطالما جرَّعته للناس.

... شاع في الحي أن زوجها قد طردها واستقر في القرية وحده. ومنهم من يقول أنها معه لكنه يسجنها هناك... و... و...
بعد عدة أيامٍ نسي القوم الحكاية، لتبدأ حكاية أخرى. والناس حكاياتٍ يتسلى بها الناس!



Images rights are reserved to their owners