ستقولون لي أليس نزوحنا من قرانا الجنوبية وبيوتنا الواسعة الجميلة، إلى مراكز الإيواء المزدحمة أمرٌ عجيبٌ غريب!؟
هنا سأجيب بأن لا... أجل لا، فأن ننزح من قرانا الجنوبية الحبيبة لهو أمرٌ قاسٍ مرٌّ ومجحفٌ بحق حريتنا وإنسانيتنا، لكن غريب؟ لا! فهو قطعًا ليس غريبًا في زمنِ تكالب حثالات الأمم على أشرافها، وتسيِّد القرود على الأسود.
كان كئيبًا دائمًا، مهمومًا، يقضي نهاره وليله يتابع الأخبار، لا يترك تفصيلة تمرّ دون أن يعرفها ويدقق في تفاصيلها.
وكلمته المعهودة "يا رب... كيف سيحتمل الأطفال كل هذا العذاب".
كنت أجيبه "خفف عنك يا حبيبي فأطفالنا شجعان رضعوا حبّ الأرض مع الحليب وفهموا قضية المقاومة قبل أن يتعلموا نطق الحروف".
لكنه كان يبكي حالهم ويقول "لكنهم لا يستحقون هكذا حياة... لا يستحقون أن يُسحقوا هكذا تحت الأنقاض... لعنة الله على الصهاينة".
كنت أنظر إليه، يسؤوني أن أراه يتألم هكذا، فأنا أعرف مشاعره المرهفة، فهو شاعر، والشاعر يفكر بقلبه لا بعقله.
ويبقى احساسي بأن أمرًا غريبًا يحدث!... وكأننا لوحة غير متجانسة، كما لو كنا صور اقتطعت من ألبومات مختلفة وركبت ك "كولاج" لتصبح صورة واحدة هدفها التعبير عن موضوع واحد.
لكن!... غريب... أمرٌ ما غريب!
8 نيسان/أبريل 2026 أو ما يُعرف بالأربعاء الأسود في لبنان، يوم ارتكب العدو الصهيوني 100 مجزرة خلال 10 دقائق في جميع أنحاء لبنان، كدتُ أن أفقد حبيبي ياسين، فقد بكى كطفلٍ صغيرٍ فقد أمه، ونشج كما لو أنه سيلحق بها بعد هنيهة.
رجوته أن يهدىء من أجل صحته- نسيت أن أخبركم أنه مريض سرطان- اتصلت بطبيبه الخاص، فأوصاني باسم دواء يجب أن أعطه إياه، ومن حُسن الحظ أنني كنتُ أحرص على حمله مع بقية الأدوية.
بعد منتصف الليل، وبفضلٍ من الله تحسنت حاله فغفا، تمددتُ إلى جانبه وهو ما زال يمسك يدي، كنتُ أنظر إليه بأسى، أخاف أن أفقده، أخاف أن أكمل الحياة من دونه... وأكثر ما أخاف مرضه هذا الذي يبعده عني شيئًا فشيئًأ.
لعلني غفوتُ برهة!... استيقظتُ مذعورة وقلبي يخفق بشدة.
عرفتُ ما هو الشيء الغريب في حبيبي ياسين!... حبيبي ياسين ليس معي، ونحن لسنا نازحان في مأوى خاص للنازحين.
حبيبي ياسين يرقد منذ أربعة أعوامٍ في ثرى قريته الجنوبية الحدودية. لقد أخذه السرطان مني، ومنذ أن غادرني وأنا نازحة في هذه الحياة، أنتظر أن أعود إلى حيث ينتظرني حبيبي.
أضأتُ النور، فوجدتني في سريري أحضن صورته.
يبدو أنني غفوتُ وأنا أخبره بما فعله العدو الغاشم ببيروت التي يعشق يوم ما يُسمى بالأربعاء الأسود الذي لن ننسى... وكيف ننسى!
Images rights are reserved to their
owners


No comments:
Post a Comment