يحاربني النزوح


في مرآتي امرأة لا أعرفها... تدعيّ أنها أنا!
فكيف يمكن لهذه العجوز المنهكة أن تكون أنا، شعرٌ غزاه الشيب، وعينان منهكتان تتزينان بهالاتٍ سوداء، لتفضحا سرًا من أسراري، فأنا لا أنام! وكيف ينام محاربٌ وسط ميدان معركته المحتدمة.

منذ نيفٍ وسنتين يحاربني النزوح، ينكرني قبل أن أنكره. يسجنني في مدينةٍ أمقت ضجيجها... فابنة الطبيعة أنا، تحت شجرة سنديانٍ جنوبيةٍ عتيقةٍ ولدتُ، فاحتفى بي القمح بأن أهداني لون حنطته.

يزورني عصفور "الدوري" كل صباحٍ، ينقر على نافذتي، ينقل لي فرح البراري، فأقفز من سباتي وأرتدي أجنحة فراشة، أتزين بوردة سكوكع*... أتعطر بالصعتر البري، أسابق العصافير وأزاحمها على شربة ماءٍ من النبع، أجلس في حقلٍ من الدحنون*، وأحضّر قهوتي السمراء على موقد قلبي، أحتسيها وأنا أدندن مع فيروز "بعدك على بالي".


أكتب قصصي على أوراق الورد، فهل حاولتَ يومًا أن تسمع ماذا تقول الوردة؟
قبل المغيب أتلو على العصافير قصائد الشِعر، فتتلوها في الصباح أناشيد للحب... للوطن... للجنوب...


منذ نيفٍ وسنتين زارنا الشيطان الصهيوني، فتركنا العصافير وحدها في فلوات الفقد تندب رحيل الأحبة... واغتيال الوطن!


المرأة في مرآتي لا أعرفها، فمن هي هذه الواجمة، التي سمحت للشتائم أن تتطاير منها في كل مكان.
لعل ما حلَّ بي هو وسوسة شيطان النزوح... أو فاجعة الجنون، فلكثرة ما أنكرتها أصبحت المرأة في مرآتي تبادلني الشتائم كلما رأتني.
اليوم صباحًا، شتمتني ما إن رأتني... رميتها بالمصباح فتهشمت.

أخيرًا أصبحت تشبهني، امرأةٌ متشظية، لها ملامح ألفُ حزن... وحزن.





* السكوكع- وردة بريّة تسمى بخور مريم.
* الدحنون- وردة بريّة تسمى الأقحوان.

في مركز الإيواء



"توفي والدي قبل أن تصل إلينا أيّ مساعدة!"

كانت هذه رسالة واتساب وصلتني من السيد (ع. ف) الذي اضطرته ظروف مرض والده لمغادرة مركز الإيواء، وترك طفلته وحيدة فيه معنا، نعتني بها كما وعدناه.

كان السيد (ع. ف) ولنطلق عليه لقب الحاج أبو مريم، شابٌ أربعيني رزقه الله بمريم بعد انتظار سنوات.
استُشهِدت زوجته ووالدته في قريتهما الجنوبية إثر غارة صهيونية على منزلهم حصلت ذات فجرٍ بينما الجميع يستعد للصلاة.


وصل الحاج أبو مريم إلى مركز الإيواء في بيروت منهكًا، على وجهه الشاب وجع الفقد والمأساة، يجرّ طفلة مذعورة، تبلغ حوالي السابعة من عمرها، عيناها دامعتان، تتلفت حولها وكأنها تبحث عن وجه مألوف، أو لعلها تتساءل عن معنى هذا العبث العصي على فهمها! كما يجرّ كرسي مدولب يجلس عليه رجلٌ مسنٌ كان نائمًا، وقد خلته بداية غائبًا عن الوعي!
نظرتُ إلى المشهد، وكدتُ أبكي حزنًا على بؤس الصورة أمامي، استدرك الحاج أبو مريم وقال "أبي مريض زهايمر، أعطيته منومًا، لأن الأصوات تجعله خائفًا فيضوج ويبدأ بالصراخ".
وضع يده على رأس الطفلة وتابع "هذه ابنتي مريم... أمي وزوجتي استشهدتا وأنا...".
بكت الطفلة فنشج معها الرجل وأنهارت عزيمته.

استغرق أمر نسج علاقة صداقة بيني وبين مريم حوالي أسبوعين، قمت بها بكل ما يلزم كي أكسب ثقة ومحبة الصغيرة، والحمد لله نجحت.
لكنني للأسف ما زلتُ أحاول الحصول على دعمٍ نفسي للطفلة، دون استجابة من أي وزارة أو جهة، فالجواب واحد "بالكاد نستطيع تأمين الضروريات". وكأن صحة الأطفال النفسية ليست من أول الأولويات والضروريات!
حرصت على تقديم كل ما أستطيعه كي أشعرها ببعض الراحة وفهم ما معنى أن تفقد أمها وجدتها. لعلني نجحتُ أو لعل الله يزرع فهمًا استثنائيًا في عقول أطفال الجنوب، فيولدون وهم واعون تمامًا لمعنى الشهادة والفقد واليتم!

أما معركتي الكبرى فكانت تأمين غرفة خاصة للجد مريض الزهايمر، فقد كان مذعورًا طول الوقت، مما اضطرنا لأن نضع حوله ستارة تخفي عنه تحرك الناس، بعد أن أوصيناهم بخفت أصواتهم.
الوحيدة التي كان لها تأثير المهدىء عليه هي مريم، كان والدها يستعين بها لتهدئة جدها، كانت تجلس معه، تحادثه فيضحك لها، وإن غابت بحث عنها بعينيه التائهتين.

والأمر الثاني الذي لم أجد له حلاً فهو حاجة المركز لسرير خاص لمريضة مقعدة لا تستطيع الحركة. لطول ما انتظرتُ الجهات المعنية، أصيبت المسكينة ب "عُقرٍ" في ظهرها وآخر في كتفها، مما اضطرنا لطلب مساعدة متطوعي الصليب الأحمر عدة مرات لعلاجها.


ذات ليلة أصيب جد مريم بعارضٍ صحي، فاستدعيتُ الصليب الأحمر لنقله للمستشفى.
كانت مريم تبكي وتسأل والدها "بابا هل سيموت جدي مثل ماما وتيتا؟"
كان كريم أحد عناصر الصليب الأحمر قريبًا منها، انحنى إلى أن أصبح على مستوى وجهها وقال "لا يا صغيرتي، لا تخافي، سوف نعيد جدك... اذهبي أنتِ للصلاة والله سوف يسمع دعاءكِ للجد"
وسمع الله دعاء مريم، ولم يمت الجد.

علم كريم بتفاصيل مشكلة والد أبو مريم، ومعاناة الأخير معه، فعرض عليه أن يقصد الشمال، عكار تحديدًا، حيث يمكن تأمين كوخ يصطحب فيه أبو مريم والده... لكن تبقى مشكلة مريم، الكوخ معزول والمنطقة نائية، والظروف أبدًا لا تناسب طفلة صغيرة.
عرضتُ عليه أن تبقى مريم معنا في المركز... فوافق وأقتنعت مريم، وكأنها أصبحت امرأة ككل امرأة جنوبية تحتمل الصعاب بصبرٍ وصمت.

تعلق قلب كريم بمريم، عوضه وجودها عن ألم فقدان ابنته التي استشهدت مع عمها وعائلته في منزلهم، يوم الأربعاء الأسود، حين ارتكب العدو الإسرائيلي أكثر من مئة مجزرة خلال عشر دقائق في بيروت وجميع أنحاء لبنان.

يوم أخبرني بقصته بكى كطفلٍ صغير وهو يقول "كنا سنقيم لها حفل عيد ميلادها في منزل عمها، وقد كنتُ في السوق ابتاع لها أكبر وأجمل لعبة... ما زالت زوجتي في المستشفى تتعالج من تبعات إصابتها".

كان يأتي يوميًا ليقضي مع مريم بعض الوقت، يُفرح قلبها بقطعة حلوى.
عندما كنت أشكره وأقول "تتحمل الكثير يا كريم من أجل مريم... جزاك الله كل خير".
كان يجيب "لا أعرف ما أصابني منذ أن رأيتها، وكأن حنان الدنيا قد صبّ في قلبي، كأن روح ابنتي تسكنها... أتألم لقصتها وأتألم عندما أشعر بها وقد اشتاقت لوالدها ووالدتها".


بعد شهرين من الغياب الموجع للحاج أبو مريم، أرسل لي رسالة الواتساب يعلن وفاة والده، ولأن المكان بعيد، فقد مات الرجل قبل أن يستجيب أحد لطلب النجدة الذي أرسله الشاب الأربعيني، الذي أنهكه الفقد، والبُعد عن طفلته الوحيدة.

بعد معاناةٍ وبحثٍ واتصالات استطاع الحاج أبو مريم أن يدفن والده بعيدًا عن قريته الجنوبية كوديعة.

قصدني في مكتبي وأخبرني عن خططه القادمة.
قال لي "لقد عرض عليَّ أحد أبناء "فنيدق" عملاً في النجارة لقاء تأمين مسكن لي ولمريم مع مكافأة مالية تعيننا على العيش إلى أن تنتهي الحرب ونعود إلى القرية، فوافقت".
تمنيتُ له التوفيق، وأخبرته أن المركز وأنا سنبقى دائمًا على استعداد لتقديم أي مساعدة نستطيعها.

أقمنا في المركز سهرة لوداع الحاج أبو مريم ومريم الصغيرة التي أحبها الجميع.
أحضرتُ الحلوى للجميع.
أما كريم فقد أحضر لعبة لمريم، كانت أجمل لعبة رأيتها في حياتي.
قال أبو مريم "هذا كثير جدًا يا كريم"
فأجاب كريم "لا... إنه قليل لقاء الحب والحنان الذين أعطتنيهما مريم، أرجو أن تقبل أميرتي هذه الهدية المتواضعة كي تذكرني دائمًا".

أشار لها والدها بالموافقة لتأخذ الهدية وقال "اشكري عمو كريم على كرمه".
شكرته وهي تبتسم ببراءة وخجل، فقال وهو يفتح ذراعيه "هلاّ أعطيتِ قبلة لصديقكِ العجوز".




Images rights are reserved to their owners


نزوح

 

كنتُ كلما نظرتُ إليه أشعر أن أمرًا غريبًا يحدث!
 
ستقولون لي أليس نزوحنا من قرانا الجنوبية وبيوتنا الواسعة الجميلة، إلى مراكز الإيواء المزدحمة أمرٌ عجيبٌ غريب!؟
هنا سأجيب بأن لا... أجل لا، فأن ننزح من قرانا الجنوبية الحبيبة لهو أمرٌ قاسٍ مرٌّ ومجحفٌ بحق حريتنا وإنسانيتنا، لكن غريب؟ لا! فهو قطعًا ليس غريبًا في زمنِ تكالب حثالات الأمم على أشرافها، وتسيِّد القرود على الأسود.

كان كئيبًا دائمًا، مهمومًا، يقضي نهاره وليله يتابع الأخبار، لا يترك تفصيلة تمرّ دون أن يعرفها ويدقق في تفاصيلها.
وكلمته المعهودة "يا رب... كيف سيحتمل الأطفال كل هذا العذاب".
كنت أجيبه "خفف عنك يا حبيبي فأطفالنا شجعان رضعوا حبّ الأرض مع الحليب وفهموا قضية المقاومة قبل أن يتعلموا نطق الحروف".
لكنه كان يبكي حالهم ويقول "لكنهم لا يستحقون هكذا حياة... لا يستحقون أن يُسحقوا هكذا تحت الأنقاض... لعنة الله على الصهاينة".

كنت أنظر إليه، يسؤوني أن أراه يتألم هكذا، فأنا أعرف مشاعره المرهفة، فهو شاعر، والشاعر يفكر بقلبه لا بعقله.
ويبقى احساسي بأن أمرًا غريبًا يحدث!... وكأننا لوحة غير متجانسة، كما لو كنا صور اقتطعت من ألبومات مختلفة وركبت ك "كولاج" لتصبح صورة واحدة هدفها التعبير عن موضوع واحد.

لكن!... غريب... أمرٌ ما غريب!


8 نيسان/أبريل 2026 أو ما يُعرف بالأربعاء الأسود في لبنان، يوم ارتكب العدو الصهيوني 100 مجزرة خلال 10 دقائق في جميع أنحاء لبنان، كدتُ أن أفقد حبيبي ياسين، فقد بكى كطفلٍ صغيرٍ فقد أمه، ونشج كما لو أنه سيلحق بها بعد هنيهة.
رجوته أن يهدىء من أجل صحته- نسيت أن أخبركم أنه مريض سرطان- اتصلت بطبيبه الخاص، فأوصاني باسم دواء يجب أن أعطه إياه، ومن حُسن الحظ أنني كنتُ أحرص على حمله مع بقية الأدوية.

بعد منتصف الليل، وبفضلٍ من الله تحسنت حاله فغفا، تمددتُ إلى جانبه وهو ما زال يمسك يدي، كنتُ أنظر إليه بأسى، أخاف أن أفقده، أخاف أن أكمل الحياة من دونه... وأكثر ما أخاف مرضه هذا الذي يبعده عني شيئًا فشيئًأ.


لعلني غفوتُ برهة!... استيقظتُ مذعورة وقلبي يخفق بشدة.
عرفتُ ما هو الشيء الغريب في حبيبي ياسين!... حبيبي ياسين ليس معي، ونحن لسنا نازحان في مأوى خاص للنازحين.
فحبيبي ياسين يرقد منذ أربعة أعوامٍ في ثرى قريته الجنوبية الحدودية. لقد أخذه السرطان مني، ومنذ أن غادرني وأنا نازحة في هذه الحياة، أنتظر أن أعود إلى حيث ينتظرني حبيبي.

أضأتُ النور، فوجدتني في سريري أحضن صورته.
يبدو أنني غفوتُ وأنا أخبره بما فعله العدو الغاشم ببيروت التي يعشق يوم ما يُسمى بالأربعاء الأسود الذي لن ننسى... وكيف ننسى!




Images rights are reserved to their owners