لم أكن أميرة المشاعر المرهفة، ولا مدللة المرايا الملونة، بل كنتُ "المرأة/المشتبِكة" منذ الولادة مع وطنٍ ما أورثنا إلا الحروب والنكبات، وركامٌ من المعارك مع عدو لا يرتوي مهما شرب من دمائنا.
كنتُ- وما
زلت- المقاتِلة الشرسة التي تواجه القدر في معركة أزليةٍ، ليتركها مثخنة بجراحٍ فاخرة الوجع، في وطنٍ حطَّم أحلامها على صخرة انتماءاتٍ مشوهةٍ لا تشبه الأحرار رافضي الظلم أمثالي.
كنتُ قلعة محصنة بألفِ قضيةٍ ومبدأ، ولكل قضيةٍ ألف مبدأ، ولكل مبدأ ألف قضية.
ذات خريفٍ حاول تسلق سور القلعة، وهو يتسربل ببراءة قلبه وقصائده المشاغبة.
راقت لي ثقته بفرادتِه... أجلسته على كرسي من جليد مشاعري وقلت: قبيلة نساء أنا... ومن تراها أمامك بكل هذا الجَلَد استثناء نادرًا ما يظهر، فامرأة من نارٍ أنا، اختبرتني الدنيا بجميع أنواع الحرائق، فصهرتني كما يُصهَر الفولاذ.
فأجاب بسرعة: أو الماس.
علمني كيف أمنح الفراشات فرح الصباح، وكيف أنشد مع العصافير تغريدات الفجر. كيف أراقص ورود الأقحوان على ضفاف الأنهار، وكيف أقيم كل صباحٍ عيد لشروق الشمس.
أيها الطيف الآتي على صهوة الحلم، أيها الرجل الإستثناء الذي أهداني زجاجة عطره، محبرةً أكتب بها حروفي، أيها الحبيب الذي ترك لي فجيعة رحيله أبجديةً للزمن الآتي.
لا... لم تكن عابرًا في العمر.
فأنت الحاضر/الغائب الذي هو في قلبي أكثر حضورًا من الجميع.
يا وجع القصائد الغائبة...
يا أبجديتي النازفة حتى انقضاء العمر...
ستبقى الدمعة المتربعة على قارعة جفنيّ، وسيبقى طيفك يحرس قلعة تسكنها قبيلة نساءٍ مشتبكةٍ مع زمنٍ راكم فاجعة غيابك فوق جبل خياناته.

