Showing posts with label قصص مسلسلة. Show all posts
Showing posts with label قصص مسلسلة. Show all posts

وسائد... وأحلام


الحمد لله... انضممتُ إلى الفئة العاطلة عن الوظيفة، فبسبب غلاء المعيشة، أفلس دار النشر حيث كنتُ أعمل، فأصبحنا- زملائي وأنا- كوكبة جديدة من ضحايا الفساد المتغلغل في أركان الوطن.

كنتُ أعرف أنني أستحق ما حصل لي، فلطالما طلب مني إبراهيم ابن عمتي وحبيبي أن ألتحق به في بلاد الثلج، لنتزوج بعد أن استقرت أحواله المادية والاجتماعية هناك، لكنني كنتُ أؤجل الموضوع بسبب عملي.

طردتني المالكة من منزل والديَّ، بعد أن حكمت لها المحكمة بذلك! ولن أدخل في تفاصيل ذلك، فالقانون في بلدي في صف "من يدفع"... وفهمكم كفاية.

رفضتُ أن أنتقل للعيش مع أيٍ من أخواتي المتزوجات، فكٍل منهنَّ لديها ما يكفيها من مسؤوليات.
اقترح عليَّ شقيقي المتواجد في بلاد الثلج، أن أنتقل- مؤقتًا- إلى منزلنا القروي، إلى أن يقوم بالإجراءات اللازمة كي ألتحق به. فوافقتُ، واتفقنا أن يتم زواجنا إبراهيم وأنا هناك.

وصلتُ إلى منزل جدتي في القرية مساءًا.
"رحمك الله يا حنونة، لو ترين منزلك الدافئ كيف أصبح مهجورًا، بعد أن كبر الأطفال، وتشتتوا في أصقاع المعمورة".

ستي؟
ستي يا ستي
اشتقت لك يا ستي
علّي صوتك... صوتك بعيد
جايي من الكرم... جايي من التفاح
صوتك حامل شمس وفيي
لون التين والزيتون
ايــــــــــــــه
وريحة الطيون يا ستي*

في أرجاء المنزل تضج ضحكاتنا، أولادٌ صغار لا نفقه أننا في القرية لأن أبناء الوطن الواحد، يتقاتلون في المدينة، يتراشقون بالصواريخ، يدمرون الوطن، من أجل!... لم أستطع يوماً أن أفهم من أجل ماذا كانت هذه الحرب العبثية.

رأتني الضحكات فوجمت، بكت معي على طفولة ضائعة، وعلى أحلاٍم أهدرها- الناطقون باسم الوطن- بسيوف تترية، وتنصلوا من التهمة.

في الغرفة الخلفية الكبيرة، طالعتني "تشقيعة الفرش"** حيث كانت تهندسها جدتي كأمهر مهندٍس يرسم خطوطه بال "ملم".
"في الصباح نرتب الأسِّرة، فتبقى الأحلام مبعثرة تحت الوسائد". جملةٌ من كتاباتي الحزينة.

نزعتُ الغطاء عنها، وبعثرتُ الوسائد في الغرفة. طلعت منها الأحلام السجينة، تتراكض في الزوايا، كأطفاٍل يخرجون إلى الشمس بعد طول "سجن" في غرف الفصول.
ضحكتُ جدُا معهم، لعبنا... رقصنا... وغنينا أغنيات الطفولة.

كذبت!... لم أخبرهم عن الأطفال، وعما فعلته بهم الأيام.
فأختي التي كانت تحلم بأنها سندريلا، تحولت إلى "مكنسة" تركض طوال النهار في أرجاء المنزل، تنظف بقايا الأبناء والأحفاد.

أما ابنة عمي، التي كانت تدرس ليل نهارٍ كي تصبح طبيبة نفسية، فقد خذلها الوطن وقال عنها مجنونة كمرضاها، فتركت مرضاها يئنون تحت أنقاض الوطن، ورحلت مع جنونها لتعالج أمراض الغرباء.

أما ابن عمي، الحالم بالمجد، صاحب أجمل عينٍ ترى الجمال وترسمه، فقد ركب قطار البطالة، إلى أن طرده السائق على أرصفة باريس، وقال له "يا ابني... هنا مكانك".

أخي... الذي حلم بالفضاء، اضطرته الأيام أن يترك مركبته، ليركب طائرة الغربة.

أما أخي الصغير، المخرج السينمائي، كما كنا نسميه يومها، فقد تنازل عن السينما، وحمل كاميرا صغيرة، ولحق بمهنة المتاعب، في وطٍن كل ما فيه... متاعب.

ابن عمتي حمل سياط الفساد أخاديد على ظهره، تجلبب باليأس، وركب قطار الغربة، حيث استبدل قلمه الحر... بملعقة! واحترف إطعام الجائعين في مطعم أسماه "فتولة وتبوش"***.
أراد أن يقول أن كل شيء في لبنان... "خلطبيتة!"

أما ابنة عمتي، هاوية التمثيل، كانت تعمل في التدريس... حاصرها الوطن هي وزوجها الممرض في زوايا الفاقة، إلى أن تركت طلابها، وهاجرت مع زوجها إلى حيث يستقر بهما المقام.

فرحت أحلامهم بالأكاذيب التي أخبرتهم، عن سعادة أطفال الحرب، وعن أحلامهم العظيمة التي نجحوا في تجسيدها كحياة ناجحة. حضنت بعضها بعضًا ونامت في أمان الوسائد.

نبتت من أنسجة وسادتي، أنثى بجناحين، نظرت إليَّ بتحٍد وقالت: أين أجنحتك؟
فأجبتُ بغصة: قصوها...
لانت ملامح وجهها وسألت: مَن؟...
تسربت الدموع من قلبي وأنا أجيب: أمراء الحرب.
اقترب مني حلمٌ ما زال يزورني كثيرًا رغم الكِبَر، وقال: هل تذكريني؟
ابتسمتُ بمرارة وأجبت: ما نسيتكَ أبدًا...
نظر إليَّ ببراءة وقال: ما زلتُ أنتظركِ في العتمة، فمتى ستنقلينني إلى النور!
فأجبتُ بخذلان: شاب العمر وشبنا، ولم أجد فرصتي بعد.
تأبط ذراعي وقال: سنجدها معًا؟

سررت... وأصابتني الحيرة من الفكرة ونظرتُ إليه بتساؤل، فهز برأسه أن "نعم"، وقال: لا تستسلمي للصعوبات، فما دمتِ تريدينني كما أريدكِ، فلا بد أن نصل.

شغلت اللابتوب... فتحتُ صفحة بيضاء... وكتبتُ العنوان:
حربٌ... أحلامٌ ووسائد
بقلم: نايا السيد

نظرتُ إليه في الزاوية يبتسم بحب، وقال: وأخيرًا سأخرج إلى النور... روايةً عن الحب والحرب.




1$= 100000 ليرة لبنانية

*أغنية السيدة فيروز كلمات وألحان الأخوين رحباني

**تشقيعة: مصدرها شقع، وتعني باللهجة اللبنانية الدارجة: أن يضع الأشياء فوق بعضها.

الفرش: وهي الفراش والأغطية والوسائد.

*** تبولة وفتوش. سلطات من المطبخ اللبناني. 




Images rights
1- Draws-Micy M
2- Ali Miri
3- Lusia Duarte
4-Ali Miri
5- anonymous



نايـــــــــــــا


كنتُ أقرأ مشدوهة فاغرة الفم كالبلهاء، يا إلهي... بماذا كنتُ أفكر وأنا أكتب هذا الكلام!
هذه الترهات لا تمت إلى الأدب بصلة، أسلوبٌ مراهِقٌ ساذج. وكأن الذي كتبه يعيش في متاهة من السخافات، وقد أضاع باب الخروج.

لكن!... لا عجب إنني كتبتُ هذا الكلام، فقد كنتُ يومها ساذجة، وبريئة كطفلةٍ لم ترَ بعد الوجه الآخر للحياة.
لحظاتٌ مرت وأنا مشدوهة، ووجدتني أكبس زر "إلغاء" قبل أن أترك فرصة ليدي كي تستشير عقلي، إن كان موافقًا على هذا الإلغاء.

يوم تبَّول الدولار على عملتنا الوطنية، وأورث التجار جشع "تاجر البندقية"*، تحولنا إلى شعبٍ منهك/مستنزف إلا مِن ومضة نورٍ، ما زلنا نصدق إنها تلوح في الأفق، متناسين أننا في وطن، أطفأ زعماءه كل الأنوار في الأنفاق، وأبقوا القطار مضاءة أنواره، استعدادًا ليدهسنا جميعًا.

بعد نيفٍ وأسبوع من إهمالي اللابتوب وكل ما له صلة بالكتابة والأدب، قررتُ أن أفتحه.
شغَّلته وأنا أراقب وميض الشاشة وهي تشتغل... وما كادت!
قفزت من الشاشة، حسناءٌ غاب جمالها تحت غبار التعب، على محياها كل أحزان العالم.
صرختُ...
جلستْ على الأرض وهي تلهث وتقول: أخيرًا فتحتِ الشاشة، كدتُ أيأس من حضورك.
استجمعتُ ما بي من بقايا وعي وقلت: مَن أنتِ؟
تناولت بسكوته كانت على الطاولة بجانبي، ورشفت رشفة من فنجان قهوتي.
فقلتُ ساخرة: تفضلي... البيت بيتك.
ابتسمت بخجل وقالت: عذرًا... لكنني حقًا جائعة، هلا أحضرتِ لنفسك فنجانًا آخر.
كررتُ بإصرار: مَن أنتِ؟
أخذت بسكوته ثانية وقالت: سأخبركِ... سأخبرك، لكن هاتي لكِ فنجانًا آخر لنشرب القهوة معًا.

لفتني جوعها، فأحضرتُ لها صحنًا من الشطائر، وحضرَّتُ المزيد من القهوة.
تناولت طعامها بنهم، ثم استوت لتشرب قهوتها وعلى وجهها ابتسامة خجل.
فقلت: حسنًا... هلا أخبرتني مَن تكونين؟
أجابت: ألم تعرفيني؟... أنا نايا السيد.
أجبت بسرعة: ومَن نايا السيد؟... لا أعرف أحدًا بهذا الاسم.
فأجابت: بلى تعرفين... افتحي باب ذاكرتك.
نظرتُ إليها مليًا، حسناء أربعينية، جمالها ملائكي، وشعرها غجري أسود طويل.
ثم!... مهلاً!؟... لا يمكن ذلك!
رأت الرعب في عينيّ، فهزت برأسها إيجابًا وقالت: بلى... هذه أنا.
فقلتُ بسخرية: هل تمازحينني يا امرأة!؟
احتدت لهجتها قليلاً وهي تقول: كما كنتِ تمازحينني عندما تركتني تائهة في الشبكة العنكبوتية.
قلتُ رافضة الفكرة: لا... لا... أنتِ لا بد مجنونة، لا يمكن أن تكوني هي، فنايا السيد لم تكن إلا شخصية خيالية في واحدة من قصصي.
أجابت: قصتك التي أرسلتها إلى ال "ريسايكل بين" مزبلة الإنترنت.
نظرتُ إليها برجاء وقلت: أرجوكِ... أرجوكِ... توقفي عن قول الترهات واخبريني من أنت؟
رفعت يدها وقالت: أقسم بالله العظيم أنا نايا السيد.

لطمتُ على وجهي وقلت: هذا يعني أنني جُننت.
قامت من مكانها ومسدت شعري وقالت: لا أنتِ مجنونة ولا أنا، كل الموضوع إنني شخصية ورقية جاءت لترى الكاتبة التي رسمتها.
راقت لي اللعبة، فأنا لا أخلو من "الخَوَت" كما نقول نحن في لبنان.
طلبتُ منها الجلوس، صببتُ مزيدًا من القهوة في فنجانها وفنجاني، وقلت: حسنًا نايا السيد أخبريني لما أتيتِ لتريني؟
رشفت قهوتها بتمهٍل واستمتاع وأجابت: لأسألك لماذا تركتني وحدي في أروقة الإنترنت؟
أجبت: لمْ تعجبني القصةُ حين قرأتها بعد عدة سنواتٍ من كتابتها.
ابتسمت بسخرية وقالت: بصراحة... كانت فعلاً مريعة، لكن... هل خطر لكِ انكِ تركتني أعاني وحيدة؟
- لم تكوني وحدك، كنتم عدة أشخاص.
- لكنكِ رسمتني امرأة فاضلة... فكنتُ كما أردتني، لذا عندما رميتنا في نفايات الإنترنت، لم أستطع العيش.

أصبتُ بالخرس، هل يعقل ذلك؟ هل تعاني الشخصيات الخيالية عندما نرميها في المهملات؟
فاجأتني بسؤالها: لماذا زوجتني إلى ذاك الفنان؟
قلتُ بتلقائية: لستُ أنا من زوجك، بل هي والدته... حماتك.
أجابت: هي زوجتني إياه بعد أن قتلتِ زوجي... ابنها الآخر.
قلتُ مدافعة عن نفسي: أنا لم أقتله... هو حمى شقيقه من رصاصات ذاك "الفنان المطبِّع".
شتمت وأجابت: وهل تعرفين ماذا فعل هذا الفنان الذي قُتل شقيقه بسبب موقفه الرافض للتطبيع؟
أذهلتني المفاجأة، فهل أكملت الشخصيات حياتها من دوني؟
أمام صمتي وذهولي أجابت: استقر به المقام في إحدى الدول المطبِّعة! يُطبل ويزمر معها لما يسمونه "الانفتاح على الآخر".
وضعت يدي على فمي وقلت: ماذا تقولين؟... ووالدته كيف سمحت بذلك؟
فتحت يديها وقالت: رحمها الله لقد توفيت قبل أن ترى هذه النكبة.
فسألتها بعجل: وأنتِ تركته قبلها أليس كذلك؟
أجابت: لقد هربتُ منه، كان يريدني أن أشاركه في التطبيل لمشروع "التطبيع".
أجبت بسرعة: وأين اختبأتِ منه؟
تمددت على السرير وهي تعتذر على وقاحتها، ثم تابعت: لقد اختبأتُ منه عند ابنة عمتي آيات هل تذكرينها؟
أجبت وقد عادت لي تفاصيل تلك القصة المريعة: أجل أذكرها، كانت إعلامية مبتدئة، ومغرمة بمديرها في التلفزيون كان اسمه جهاد.
نظرت إليَّ بتحٍد وقالت: وهل تعلمين ما كان مصير هذا الثنائي؟
حركتُ رأسي بأن لا... فقالت: لقد حصل جهاد على تمويل من "...." وأسس محطته الخاصة... وبكل وقاحة يدّعي أن ذلك حرية تعبير وانفتاح على الجميع.
أما آيات ابنة عمتي فقد تحولت إلى "بوق إعلامي"... في هذه المحطة، وفهمك كفاية.
ضربتُ على رأسي، وقلتُ: يا إلهي... ألم يبقَ أحد في هذه القصة كما أردته أن يكون؟
أجابت بحزن: بلى... بقي... إبراهيم شقيق آيات، هل تذكرينه؟
أجبت بوجل: ابن عمتك الذي أغرم بكِ وأراد الزواج منك.
فسارعت بالقول: لكنكِ وضعتِ زوجي المرحوم أمامي وجعلتني أغرم به وأرفض إبراهيم.
فسألتها: وماذا حصل لإبراهيم؟
فأجابت ممتعضة: هاجر... لم يترك له الفساد حل آخر. هاجر بعد أن قضى في السجن سنة كاملة، والتهمة؟... كتب مقالاً عن فساد المصارف والطبقة الحاكمة.
ضربتُ على وجهي، وتسارعت نبضات قلبي، تعرَّقت يداي وتسربت قشعريرة إلى جميع أنحاء جسدي.
وقلت: بالله عليكِ نايا... لماذا أتيتِ؟... لماذا تخبرينني كل ذلك؟
فأجابت وهي تعتدل في جلستها: كي أُفهمك أن شخصياتكِ الخيالية هي أيضًا بشر، تتبدل أحوالها وتتغير، فبالله عليكِ كفي عن رسم الأشخاص المثاليين في قصصك.
حركتُ رأسي رافضة وأجبت: لا... لا... لن أفقد ثقتي بالإنسان.
أجابت بسرعة: ولا أنا سأفقد ثقتي بالإنسان، لكن... لقد علمتني دهاليز الشبكة العنكبوتية، أن الإنسان الحق نادر الوجود، وأن زمننا هذا هو زمن العار يا صديقتي... كل شيء فيه مباح، حتى الكرامات... والشرف.

صعقتني الحقيقة التي كنتُ أحاول أن لا أجاهر بها أمام نفسي وقلت: أين ستذهبين الآن نايا؟
أجابت: لا أدري...
فقلت بصدق: هل تبقين معي؟... رجاءًا.
فقالت بخجل: حسنًا سأبقى، بشرط... ضعيني في  قصةٍ أعيش فيها هانئة... وبكرامتي.
صافحتها وقلت: اتفقنا.




*إشارة إلى مسرحية شكسبير "تاجر البندقية".



 
Images rights
1- Sarenur Türk Koçak- sayu.go 2- Jurassic Park
3- Adam Almahjoub

جوري- السفر عبر الزمن


الجزء الخامس والأخير


آدم
حطَّ بي الرحالُ في مختبرِ ألفريد نوبل عام 1888، وكان يومها قد توصل إلى اكتشاف مادةٍ جديدةٍ أسماها الستت ballestite، وتتألف من مزيج هلامي القوام (gelatinized) من
النتروهلولوز بنسبة 40% مخفف بالأزوت، مع النيتروجليسرين بنسبة 60%، وقطعها شرائح. وقد ظلت هذه المادة تُستعمل بنجاح مدةً زادت على 75 عامًا، قبل أن يطور البريطانيون فيما بعد عددًا من المنتجات المماثلة لها تحت مسمّى الكوردايت. وفي عام 1909م توصلت الولايات المتحدة الأميركية إلى نوع من البارود يصلح للاستعمال في جميع أنواع المدافع، وكان المادة الدافعة الرئيسية المستخدمة في الحرب العالمية الأولى.

هل أخبركم سرًا؟ سوَّلت لي نفسي أن أقتله، فلولا اختراعه الشيطاني لما عرفنا شيطانًا اسمه صناعة الأسلحة.
يبدو أنّه رآني، فقد راعه مظهري وقال بفزع: "ن أنت؟ وكيف دخلتَ إلى هنا؟
أمسكتُ عصًا كانت على الأرض وقلت: هل تعرف نتيجة اختراعك الشيطاني هذا؟
مدَّ يديه الإثنتين وقال: مهلاً... مهلاً... على رِسلك، لماذا أنت غاضب؟
صرختُ: اختراعك للديناميت أوصلنا إلى أسلحة فتاكة تقتل المئات في دقيقة واحدة وتبيدهم كالحشرات!
حاول أن يهدئ من روعي وقال: أرجوك اهدأ وتعال لنتكلّم بهدوء.

أمضيتُ ساعاتٍ أشرح له نتيجة اختراعه، وكيف استخدمته الدول من بعده! بكى... والله بكى وقال: ما أردتُ هذا... ما أردتُ هذا...
ثم مسح دموعه وقال: ماذا عن الجائزة؟ ألم تخبرني أن مؤسستي الخاصة سترعى جائزة نوبل طوال العمر؟
فقلتُ هازئًا: وهل تعتقد أن ذلك سيمنع الحروب؟ إنها مجرد محاولة بلهاء منك لإراحة ضميرك!

تركته يشهق بالبكاء... وقبل أن أغادره، سمعته يقول: أرجوك أخبرني ماذا أفعل؟ كيف أحصل على عفو الرب؟

"استمحيكَ عذرًا ألفريد... فالتاريخ لن يتغير مهما حاولنا!... كما أخبرني نوستراداموس."



جوري
أين أنا؟...
وجدتني في مكانٍ غريب، لا أدري كم ساعةٍ سرت، لكنني كنتُ منهكةً جدًّا.
تمددتُ على الأرض وأنا ألعن الزمن وآلة الزمن.
"آدم حبيبي... أين أنت؟"
انتبهتُ من غفوتي، ويدٌ تحمل رأسي وأخرى تضع ماءً على شفتي. قلتُ همسًا: "آدم... حبيبي هل أتيت؟"
سمعت صوتًا نسائيًّا يقول: هل تعرفكَ هذه المرأة؟
انتبهتُ من غفوتي ثانيةً، لأجد وجهين مضيئين كالقمر، لشخصين يجلسان بقربي، وأنا ممدةٌ على الأرض وعلى جسدي العاري قماش أبيض.
حاولتُ أن أجلس فلم أستطع، فقلت: أين أنا؟
أجابت المرأة الجميلة: أنتِ معنا هنا، لا تخافي.
فقلتُ جاهدةً: من أنتما؟
ابتسمت المرأة والرجل وقالت هي: نحن آدم وحواء... فمن أنتِ أيتها الزائرة التي لم يخبرنا الله عنها؟
ضحكتُ من أعماق قلبي وشعرتُ بشيء من النشاط وقلت: حلوة منك يا بنت... رغم شظف العيش من حولك، إلا أنك صاحبة نكتة.
ضحكت بدورها وقالت: أقسم بالله أنني جادة... هيا، أخبريني من أنتِ؟ وماذا تفعلين هنا؟
قلتُ مسلية نفسي بالموقف: أنا أبحث عن آدم زوجي.
صعقت المرأة، أو حواء، وقالت: زوجك؟... يا امرأة، لا زوجة لآدم إلا أنا... حواء.

هل تعرف ما معنى أن تتجادل امرأتان من أجل رجل؟... بالتأكيد تعرف، لذا لا داعي للتفاصيل.
لكن المهم أن المعركة انتهت بعد ساعات حين استوعبنا جميعًا حقيقة الوضعِ الذي وُجدنا فيه.
مضى زمنُ محطُّ رحالي بينهما، وأنا أحاول أن أقنعهما بأن يفترقا، وقد شرحتُ لهما الكوارث التي ستحصل بسبب تكاثرهما.
قالت حواء: إنه قدرٌ مكتوب... الله أرسلنا لهذه المهمة.
فقلتُ باستياء: لكنّكما ستنجبان ذريةً ستقتل بعضها بعضًا إلى نهاية الزمان!
فأجاب آدم حاسمًا الموضوع: كل ذلك مكتوبٌ في لوحٍ محفوظ. لا رادّ لإرادة الله.


آدم
لا أعرف تاريخ اليوم، وكل ما أعرفه أنّني في مدينة بعلبك، في القلعة الأثرية، والحدث؟... سهرةٌ موسيقيةٌ لسفيرتنا إلى النجوم، فيروز.

بعد منتصف الليل بدقائق، والموسيقى في أجمل تجلياتها، رأيتها تجلس في ركنٍ بعيدٍ!!!!
جووووووووري...
صرختُ وركضتُ ناحيتها... ارتمت على صدري وهي تشهق بالبكاء.




جوري
صفق العم صابر بيديه وقال: "أخيرًا نجحت."
فعلاً نجح... فها نحن أخيرًا في زمننا.
بعد السلام والكلام والشكر والترحيب.
سأله آدم: عم صابر، كم مضى علينا في سفرنا هذا؟
أجاب: أسبوعان.
تبادلنا النظرات آدم وأنا بذهول، وقلنا معًا: الفندق؟
ابتسم العم صابر وقال: لا تخافا... لقد سمحت لنفسي بأن أمددَ أقامتكما هناك.
قبَّله آدم ليعبِّر له عن امتناننا.
فقال: هيا... اذهبا وشاهدا مصر التي لم تريا منها شيئًا بعد... سوف أطلب لكما تاكسي.

ونحن نخرج من مكتبة العم صابر لنركب التاكسي، شاهدتُ على أحد الأرفف رواية "شيفرة دافنشي" سبق أن قرأتها إلكترونيًّا، لكنّ راق لي أن يكون لديَّ منها نسخة ورقية.
لكن آدم حملني إلى سيارة الأجرة وهو يقول: لا... لقد اكتفيتُ من الشيفرات والطلاسم.
لوّح لنا العم صابر مودعًا وهو يقهقه.


دخلتُ إلى ركني الأثير حيث أكتب قصصي على اللابتوب، لأجد آدم غارقًا في الضحك.
حين رآني وقف وقال: فهمتُ الرسالة؟
فأجبتُ بمراوغة: أي رسالة؟
قال وهو يشير إلى اللابتوب: ما أردتِ قوله من خلال القصة... حين نلتقي لقاءً خاصًّا يتحقّق زمننا الحقيقي، لنعيش فعليًّا كشريكي حياة. أليس هذا ما أردتِ قوله في هذه القصة؟
أجبتُ بابتسامة حب: هو كذلك فعلاً.
قال آدم وهو يطوق خصري: إذن... سيكون لنا كل أسبوع يومٌ خاصٌّ بنا نقضيه معًا، بعيدًا عن مرضاي وكتبك.

عانقته وطال العناق.

في زاوية الغرفة لمحت ملاكًا صغيرًا يحمل قيثارة ويعزف لحنًا سحريًّا.
دهشت!... فابتسم وغمز لي بعينه.




Images rights are reserved to their owners


جوري- السفر عبر الزمن


الجزء الرابع


آدم
كنتُ أقفُ مذهولًا وقد وجدتُ نفسي في مكانٍ يبدو لي أنه في دولةٍ أجنبية، لعلها فرنسا.
فالناسُ القلائلُ الذين صادفتهم كانوا يتحدثون الفرنسية، وكي أتخلَّصَ من نظرات العابرين، دخلتُ شارعًا ضيّقًا، فوجدتُ ملابسَ معلَّقةً على حبال الغسيل.
آسف... لكنني اضطررتُ لسرقتها كي أتماهى مع أناس ذلكَ العصر.
وأنا أتجوّل مسحورًا ومذهولًا... وصلتُ إلى بناءٍ يبدو أنه مدرسةٌ أو ما شابه.
شاهدتُ شابين يخرجان مسرعين، أحدهما قال للثاني: أسرع... يجب أن يحضر الطبيبُ حالاً.
وجدتها فرصتي: اقتربتُ منهما وقلتُ بفرنسيةٍ متقنة: أنا طبيبٌ، هل أساعدكما بشيء؟
فصرخ أحدهما بحماس: رائع... تعالَ معي... إن صديقي لويس يحتضر.

فهمتُ أنني في غرفةِ لويس برايل، وأنه يُحتضر.
وأنا أعالجه، أخذني عطرُ المكان... يا إلهي!... إنه عطرُ زوجتي جوري.
ولم أستطع كبحَ جماح نفسي، فقلت: هذا العطر...
ابتسم لويسُ وقال بشقِّ النفس: لقد زارتني منذ بضعة سنواتٍ شابةٌ كانت تريد أن تتعلم أبجديتي... أدهشتني رائحتها... لقد كانت طيبةً جدًّا... فقالت إنه عطرها الخاص. أهدتني الزجاجة... وأنا أرشُّ منها كلما أردتُ تجديدَ رائحةِ غرفتي.
فهتفتُ... وهتف قلبي: هل أستطيع أن أرى هذه الزجاجة؟
قال برايل لصديقه: أحضرها من الخزانةِ لو سمحت.
"يا ربَّ الأكوان!... هذا عطرُ جوري زوجتي! إذن فقد مرّت من هنا!... يا إلهي متى ألتقيها؟"


جوري
كانت النساءُ حولي زرافاتٍ زرافات، منهنَّ العاملات ومنهنَّ ملقيات الأوامر، منهنَّ في غرفهنَّ ومنهنَّ متنقّلاتٍ في الأروقة.
أين أنا؟
يبدو أنني في حرملكِ سلطانٍ ما، فلباس النساء تمامًا كما تصورهنَّ المسلسلات التاريخية.
لكن أين؟ لا أدري. لم أستطع أن أعرف في قصر أيِّ سلطانٍ أنا، وفي أي عصرٍ أنا، إلى أن ناظرتني إحداهنَّ من بعيد، يبدو أنها المسؤولة.
دارت حولي مذهولة، فملابسي غريبةٌ ومظهري كله غريبٌ عجيبٌ بالنسبة لها.
تجمّعت حولنا الكثيرات من الجواري أو لعلهنَّ أميراتٌ لا أعرف. نطقت إحداهنَّ بلغةٍ غريبةٍ تخالطها لكنةٌ أجنبية.
فزعتُ، وانتابني الرعب منهنَّ... يا إلهي هل يمكن أن يهدينني هذه الليلة للسلطان؟
وضعتُ يديَّ على بطني وكأنَّ أحشائي تتقطع، وبدأتُ بالبكاء والنحيب.
حملتني النساءُ إلى جناحٍ تشغلهُ عشرات النساء. واستدعينَ امرأةً اعتقدها "حكيمة"... بدأت بفحصي، ورأيتُ على وجهها علامات الدهشة!
قضيتُ الليل وأنا أدَّعي المرض وأتألم، والنساءُ من حولي حائرات.
كنتُ أضحك في سري "سأبقى على هذه الحال إلى أن تنقضي هذه الرحلة... لن أدع سلطانكنَّ يمسني."



آدم
في ساحةٍ ما كان حشدٌ من الناس متجمهرًا، يتخاطبون بصخبٍ وحماس.
فهمتُ أنني في عام ٨٦٧ وأنَّ عباس بن فرناس سيقومُ حالاً بتجربة الطيران.

الحمد لله، كنتُ غير مرئي، فالرجال يتجاوزونني كما لو كنتُ مجرد ضوء!
ها هو عباس بن فرناس يقفُ في الأعالي، والناس فجأةٍ نزل عليهم صمتُ الحملان.

طرااااااااااااااخ...
أجل، لقد وقع المسكين، وتحطمت عظامه.
رافقتُ الأطباء خلال علاجه، أحزنَتني بدائيةُ المواد الطبية وأسلوبُ العلاج.
لكن!... كان ذلك أفضل طب في ذلك الزمن.
جلستُ وراء رأسه وأخذتُ أمسح العرقَ عن جبينه.
بعد منتصف الليل بقليل، وقد غادر الجميعُ غرفةَ عباس ابن فرناس، سمعته يئنُّ من الوجع، اقتربتُ منه وقلتُ: اصبرْ يا أخي، ستتحسنُ بإذن الله.
فقال بصوتٍ يتألم: ليتني لم أفعل ما فعلتُ، فالأجنحة لا تنبتُ إلا للطيور.
جلستُ على الأرض تحت رأسه، وأمسكتُ يده، وبدأتُ أخبره عن حلمه هذا، إلى أين أوصلنا!
أخبرته عن الطائراتِ الحربية التي تقصف الآمنين من الأطفال في فلسطين ولبنان واليمن... فصرخَ صرخةً مدوية!
وتمدد جسده وارتخى... وقبل أن أكتشف إن كانت غيبوبةً أم وفاةً... حملتني عاصفةٌ هوجاء.


جوري
ها أنا مجددًا في فرنسا... والحدث كما اكتشفتُ، هو نقلُ جثمانِ "لويس برايل" من قريته كوب فراي قرب باريس إلى مقبرة العظماء في احتفالٍ تأبينيٍّ مهيب.
ولأنني، ولله الحمد، كنتُ هذه المرة غير مرئية، فقد رافقتُ الجثمان طوال رحلته إلى مثواه الأخير. وداعًا لويس برايل.
هذه المرة أخبرته - كما لم أجرؤ حين رأيته سابقًا - أنه بذل عمره القصير ليمكن المكفوفين من القراءة والكتابة، لكنَّ مبصري زمن العولمة قطعوا علاقتهم بالكتاب والقراءة.
ارقد بسلام يا صديقي.







Images rights are reserved to their owners


جوري- السفر عبر الزمن


الجزء الثالث


آدم
وجدتُني في مركبة فضائية، والطاقمُ مذعورٌ من وجودي!
فصرخَ بي أحدهم بالإنكليزية: "اللعنة... لكن من أنتَ؟"
كان في أحد أركان المركبة امرأةٌ تتألمُ من معدتها.
فقلتُ لأشتت انتباههم: أنا طبيبٌ.
صرخت المرأةُ المتألمة: لقد أرسله الله... كنتُ أعرف أن الله موجودٌ.
اقتربتُ منها وقمتُ بفحصها. يبدو أنها قد تناولت طعامًا فاسدًا، فأصيبت بالتسمم.
عندما تحسنت حالها، ضحكَ أحد الرواد وقال: والآن ماذا أيها الملاك؟ هل ستختفي؟
ضحكَ الجميع، فضحكتُ معهم وقلت: ما رأيكم أن نتعارفَ قبلاً؟
كنتُ في رحلةٍ فضائية عام 1963 مع أول رائدة فضاء وهي الروسية فالنتينا تريشكوفا.
أخبرتهم عن المستقبل، وعن وضع المرأة تحديدًا، أخبرتهم كيف تسببت بعض "النسويات" بترسيخ فكرة "تشيئ" المرأة بزعم تحريرها.
اشمأزّت فالنتينا وقالت: هل هذا ما تعلمنه منا؟ بئس الحرية!
ربّت أحد الرجال على كتفي وقال: كلامك منطقي رغم غرابته، أخبرنا أكثر عن سفرك هذا.

"لكن يا إلهي!... متى سأجد جوري؟"



جوري
أنا في القطب الجنوبي، في فبركة لصنع ألعاب سانتا.
كنتُ أتجوّل بين العمال مشدوهة، فلطالما كنتُ أعرف أن لا وجود لسانتا، وأن هذه الأسطورة مجرد حكاية يتسلى بها الأطفال زمن ميلاد السيد المسيح (عليه السلام).

وأنا ألف وأدور في المصنع مشدوهة، ناداني صوتٌ من ورائي: جوري...
التفتُ مذعورة فاصطدمتُ بسانتا.
ضحكتُ كطفلة مشاغبة، ونتفتُ شعرةً من شاربه وقلت: تنكّرٌ ممتاز يا سيدي.
ربّتْ على وجنتي وقال: يا بنتَ جوري، ألَم تعرفيني؟ أنا سانتا.
قهقهتُ بصخب وأجبت: طبعًا أنتَ سانتا وأنا الجنية الساحرة.
هزّني من كتفي وأجاب: جوري؟ استفيقي واستوعبي... أنا سانتا.
فصرخت: لكنك خيال... ولا وجود لك.
فأجاب بجديةٍ وحزم: بل أنا موجود... ألم تسمعي بروح الميلاد؟
فقلتُ بسرعة: طبعًا إنها روح القديس نيكولا الذي أحب الخير وأعمال الخير.
فأجاب سانتا وهو يفتح يديه ليؤكّد كلامي: أرأيتِ؟ إذاً أنا موجود.
فقلت ببلاهة: لم أفهم.
فأجاب وهو يجلسني إلى طاولةٍ عليها ما لذّ وطاب: إنّ كلَّ إنسانٍ وخاصة إذا كان طفلًا، يحمل روح الميلاد، ويعرفني. فأنا موجود في قلبه وخياله.
فكرتُ لبرهة وضغطتُ جبيني، وقلت: إذن أنت جادٌّ فيما تقول؟
أجاب بابتسامةٍ عريضة: كل الجدية.

وهكذا أمضيتُ مع سانتا في معمل الألعاب أجملَ الأوقات، وأنا أرتّب الهدايا وأتسامر مع أقزامه، وألاعب الأيائل.
فجأة قال: جوري؟ هل تركبين معي العربة الليلة لنوزع الهدايا؟
فقلت فرحة: وهل نحن في عيد الميلاد؟
هزّ برأسه علامة الإيجاب وقال: الليلة هي ليلة الميلاد في زمنك... سوف نمرّ لنترك هديةً لزوجك آدم.
تنهدتُ بحسرة وقلت والدموع في عيني: وأين هو آدم؟
فقال: حان موعدُ هديتك، سأقولها لك الآن.
فأجبت بدهشة: ستقولها؟
ابتسم وأجاب: نعم سأقولها... فهي هديةٌ شفهيّة.
فقلت بنفاذ صبر: وما هي؟
فأجاب بابتسامة ثقة: آدم يبحث عنك في الزمن... وقريبًا ستلتقيان.
صرخت: أحقًا؟
فأجاب وهو يجرّني إلى العربة: حقًا... والآن إلى العمل.

راقت لي الملابس التي منحتني إياها مسز سانتا.
ولم أخبره كيف دمّرت الحرب براءة الأطفال، وأنه لم يعد لروح الميلاد من وجود.
ربّت سانتا على كتفي وقال: أعرف بما تفكرين... فحتى الأطفال لم يعودوا يصدقون وجودي، لكنني أصرّ على زيارتهم على أمل أن يحافظوا على روح الميلاد، وعلى إيمانهم بالسيد المسيح.
فقلتُ بحسرة: السيد المسيح؟
فقال: أجل... السيد المسيح، فأنا لست سوى بشارة مولده، والأطفال لا بدّ يومًا أن يفهموا ذلك، ويومها ستكون روح الميلاد قد تحققت.


آدم
يبدو أنني في مختبرٍ كبير. هنا مئات الأشخاص يتحرّكون بصمت وهم يرتدون الأبيض. وإن تكلموا، فيتكلمون بالإنكليزية.
الحمد لله أنني هنا كنتُ غير مرئي، لأنهم لو رأوني على حالتي البائسة، لاستدعوا الشرطة حتمًا.
وصلتُ إلى ما يشبه الطاولة الرخاميّة، كانت محتشدة بقوارير زجاجية صغيرة، فيها سوائل ملونة. وكان يشغلها شخصان.
كانا طبيبان يجريان اختبارات من أجل اكتشاف أنجع علاجٍ للسرطان.
أردتُ أن أصرخ لأخبرهم أن لا دواء حتى مجيئي عام 2021 قد نفع، وأن السرطان ما زال يأخذ آلاف المرضى.
تكلمتُ... وتكلمت... لكن لا جدوى! لم يسمعني أحد.
بدأتُ أسلي نفسي بقراءة اكتشافاتهم، وأنا أعيد وأكرر "ليت أني أعرف الدواء الشافي لأضعَه بين أيديكم".


جوري
فجأة وجدتُني في غرفةٍ باردةٍ بائسةٍ في مكانٍ ما. حاولت أن أجد شيئًا يخبرني عن الزمن وعن المكان الذي وصلتُ إليه، لكنني لم أجد سوى أوراقٍ مثقوبةٍ وإبرٍ و... مهلاً!... إبرٌ ومثاقبٌ وأوراقٌ مثقوبة؟ هل يعقل أنني عند...
لويس برايل؟

دخل رجلٌ كفيفٌ إلى الغرفة، وأخذ يتشمّم الهواء وهو يدور ثم وصل إليّ في الزاوية وقال: هل يوجد أحد هنا؟
الحمد لله أنه كفيفٌ ولا يراني. تنحنحتُ وقلتُ بصوتٍ حاولتُ أن أجعله متوازنًا وواثقًا: السيد لويس برايل؟
فأجاب فورًا: نعم أنا هو... من حضرتك؟
فأجبتُ وقد أتتني فكرة مفاجأة: لقد أردتُ أن أنتظرك في غرفتك، لأنني مصممةٌ على مقابلتك.
ابتسم بوداعة وقال: بماذا أفيدك؟
وجدتُ على الطاولة ورقةً عليها تاريخ عام 1829م فعرفت أنَّه في هذه الفترة يطوّر طريقةً للكتابة بالمثقاب، فقلت: أنا من المهتمين بأسلوبك في الكتابة للمكفوفين، وجئتُ كي أتعلمها منك.
فأجاب: هل أنتِ كفيفة؟
فقلت: لا لستُ أنا، بل... يا إلهي! من سأقول؟ فقلت على عجل: إنها شقيقتي وهي تحب القراءة وكتابة القصص جدًا.
فقال: مرحبًا بك.

عندما انتهينا، صفق بيديه وقال: أحسنتِ يا عزيزتي، كم أنتِ سريعة!
لم أجرؤ أن أخبره عن نفسي، وعن أنني أعرف مسبقًا طريقته في القراءة والكتابة.
جلسنا بعدها نتحدث في شؤون العلم والثقافة، طبعًا تفاديتُ ذكر أي معلومة لم تحدث في زمنه.
كم وددتُ لو أخبره عن وضع القراءة في أوطاننا العربية، 
فبعد أن أفنى حياته لإيجاد لغة خاصة بالمكفوفين، ها هم المبصرون يقطعون أي صلة لهم بالكتاب!
عزيزي لويس، لو رأيتَ كيف تُستغل اليوم اللوحات المضيئة!








Images rights are reserved to their owners


جوري- السفر عبر الزمن


الجزء الثاني


آدم
ها قد علمتم أن زوجتي جوري قد سافرتْ عبرَ الزمن، وعلمتم أنه لا بدَّ أن نلتقيَ لتنفكَّ طلاسمُ الآلةِ.
بعدَ عدّةِ محاولاتٍ، وصلتُ إلى الدائرةِ التي دخلتْها زوجتي، وكان آخرُ ما سمعته من العمِّ صابر: "بالتوفيقِ يا بني... يا رب تِعتر بمراتِك قُرَيِّب."

وجدتُني في ساحةٍ متَّسعةٍ؛ أجسادٌ ملقاةٌ على الأرضِ كالموتى، يئنّون ويتألمون، والبكاءُ من حولي.
لم أعرِف ما الذي يجري. أمسكتُ بأولِ شخصٍ وسألتُه: ما الذي يجري هنا؟
نظر إلى ملابسي وضحك وقال: يبدو أنَّك مجنونٌ وتائهٌ.
أمسكتُه من تلابيبه وقلتُ: أخبرني ماذا يجري؟... وأين أنا؟... وفي أيِّ عامٍ نحن؟
فأجاب وهو يحاول التملُّص مني: أنتَ في جنوبِ فرنسا، والناس مصابةٌ بالطاعون... وأنا نوستراداموس الطبيب... ونحن في عام ١٥٢٦م.
فقلتُ باستياءٍ: كلُّ هذا سببه عدم الاهتمامِ بالنظافةِ العامةِ والخاصةِ، لو كنتم شعوبًا نظيفةً، لما أصابكم هذا الوباءُ.
أمسكَ بي من قميصي ووضع وجهه في وجهي وقال: عليكَ اللعنة، هل ستُمارسُ عليَّ جنونكَ الآن وتُخبرني الترهاتِ؟
أبعدتُ يدَه عنّي وقلتُ: معكَ حقٌّ، ليس الوقتُ مناسبًا للتنظير... حسنًا، أنا طبيبٌ أتيتُ من بعيدٍ لأساعدَكَ.
فقال وهو يبتعد عنّي: إذنِ ابدأِ العملَ بصمتٍ.

عملنا بجهدٍ، لكنني كنتُ أعلمُ أن ذلك الوباءَ قد قضى على آلافِ الأرواحِ.
كنتُ أمعنُ النظرَ في وجوهِ النساء جميعًا، فقد خِفْتُ أن تحطَّ الرِّحالُ بزوجتي جوري في ذلك الزمنِ.
ولكن... ولله الحمدِ، لم أجِدْها بينهم أبدًا.

بعدَ أن قضينا ساعاتٍ طويلةٍ، أو لعلها دهورٌ، ونحن نحاول إسعافَ المرضى، أمسكني نوستراداموس من كتفي وهو يقول: حسنًا، نحن نعملُ منذ دهرٍ، تعالْ معي لنأخذَ قسطًا من الراحةِ.
عندما أخبرتُه أنني قادمٌ من المستقبلِ، ضحك وأجاب: رغمَ دقّةِ نبوءاتي إلّا أنني لم أرَ أيَّ صورةٍ مستقبليةٍ تشير إلى قدومِ شخصٍ من هناك... أخبرني الحقيقةَ... مَن أنت؟
شربتُ رشفةً من شرابِ أعشابٍ طعمه لذيذٌ، وقلتُ: أقسمُ لكَ أنني صادقٌ في كلِّ كلمةٍ قلتُها.
أمضينا ساعةً ونحن نتباحث في موضوع سفري عبرَ الزمنِ.
ثم أخبرتُه عن أهميةِ النظافةِ العامةِ، التي توصّل إليها الإنسانُ بعد صراعاتٍ مريرةٍ مع الأوبئةِ، وأخبرته بإمكانية منعِ موتِ عائلته، لو سمعَ نصائحي الطبيةَ.
دَمَعَتْ عيناه وقال: منذ أن تنبأتُ بموتِ عائلتي وأنا في كابوسٍ، لكنني أعرف أن القدرَ لا يمكن إيقافه، وما هو مكتوبٌ في التاريخِ لن نستطيع تغييره مهما حاولنا.
أطرقتُ رأسي وقلتُ باستسلامٍ: أهذا ما تعتقده؟
أجاب: هذا ما علّمني إياه سيرُ الأحداثِ التاريخيةِ.
ابتسم وهو يشاهدُ خيبةَ أملي وقال: حسنًا... أيّها القادمُ من المستقبلِ، أخبرني كم نبوءةً من نبوءاتي تحققتْ؟
وقبلَ أن أُجيب؛ وجدتُني مددًا تحت الشمسِ في صحراء... أكاد أموت عطشًا!
حبيبتي جوري، أين أنتِ؟


جوري
وجدتُني في قاعةٍ فخيمةٍ، وسط أناسٍ في قمّةِ الأناقةِ والتألّقِ.
سرعانَ ما عرفتُ أين أنا؛ سينما قصر النيل في السابع من نيسان / أبريل ١٩٦٦، والحدثُ أغنيةٌ جديدةٌ من أغاني السِّتِّ.
الله... الله... أين أنتَ يا آدم يا حبيبي، فلطالما كنتَ تحبُّ أن تسمعَ السِّتَّ بعد كلِّ عمليةٍ تستنزفُ أعصابك.

بحثتُ عنه في جميعِ الوجوه... لكن؟ لا وجهَ كان يحملُ ملامحه.
انزويتُ في كرسيٍّ في آخرِ صفٍّ كي لا يلاحظَ أحدٌ شكلي الغريبَ عن ذاك الزمنِ.
فما هي إلا هُنيهاتٌ حتى بدأتِ الموسيقى... الله... الله... وألفُ ألفِ الله!
الأطلالُ للشاعر إبراهيم ناجي.

انتهتِ السهرةُ، وخرج الناسُ ثملين بأنغامِ السِّتِّ.
وأنا... لمْ أعرِفْ أين أذهبُ، فاختبأتُ حتى انتهتْ أعمالُ التنظيفِ وأُطفِئتِ الأنوارُ.
جلستُ في العتمةِ على أحدِ المقاعدِ بنيّةِ النومِ، وفي رأسي حكايةُ عشقٍ: إبراهيم ناجي ورائعته "الأطلال".
وفي حكايةِ هذه القصيدةِ أنَّ إبراهيم ناجي كتبها في حبِّ صباهُ عندما فارقه. فقد غادر ناجي لدراسةِ الطبِّ، وعندما عاد علم أن حبيبته قد تزوجتْ.
ذات ليلةٍ وبعد منتصف الليل، سمعَ طرْقًا شديدًا على بابِ منزله، وكان في البابِ رجلٌ أربعينيٌّ يستنجدُ به ليُعينَ زوجته في ولادتها. كانت الولادةُ متعسرةً، وحالةُ المرأةِ خطرةٌ جدًا.
حاول أن يُنقذها بشتى الطرق، وعندما لاحظ أن أنفاسَ المرأةِ بدأت تضعف، مما سبّب لها غيابًا عن الوعيِ، طلبَ أن يكشفوا وجهَها لتستطيع أن تتنفسَ.
وكانت الصدمةُ أن الوالدةَ لم تكن إلا حُبَّ عمره الذي لم ينْسَهُ يومًا.
أجهش بالبكاءِ وهو يجري العمليةَ، وسطَ ذهولِ الحاضرين.
رجعَ إلى منزلِه قبل مطلعِ الفجر بعد أن أنقذها هي ومولودها، وكتب "الأطلال".
وبكيتُ بحرقةٍ وأنا أذكر المقطعَ الأخير:
يا حَبيبي كلُّ شيءٍ بقضاء
ما بأيدينا خلقنا تَعَساء
ربما تجمعنا أقدارُنا
ذاتَ يومٍ بعدَ ما عزَّ اللقاء
فإذا أنكرَ خِلٌّ خِلَّهُ
وتلاقَينا لقاءَ الغرباءِ
ومضى كلٌّ إلى غايتِه
لا تقلْ شئنا فإنَّ الحظَّ شاء
"آدم حبيبي... متى اللقاء؟!"


صباحًا، وجدتُني في منزلٍ!
بعد جولةٍ في الأنحاءِ عرفتُ أنّه منزلُ الشاعرِ الكبيرِ إبراهيم ناجي.
وقف أمامي مشدوهًا وهو يقول: من أنتِ؟ وكيف دخلتِ منزلي؟
فقلتُ وأنا أبتسمُ لأخففَ من توترهِ: دكتور إبراهيم ناجي... أنا عاشقةٌ جئتُكَ من زمنٍ لم يعد إنسانُهُ يعرفُ العشقَ. جئتُكَ من زمنٍ أصبحَ يعتبرُ "السِّتَّ" وأغانيها من الزمنِ الفائتِ.


Images rights are reserved to their owners