وحدي كنتُ أعرف سبب ضحكهنَّ... كنَّ يهزأنَّ من زميلة لهنَّ استقالت من "position"* مهم كي تتفرغ للإنجاب وتربية الأطفال.
سمعتُ حديثهنَّ دون قصد، فقد جلسنَّ قريبات جدًا من طاولتي الخاصة، في مكان عملي في المقهى البحري.
لفت ضحكهنَّ أنظار الزبائن، الشبان ضحكوا دون معرفة الأسباب، أما النساء فمنهنَّ من ابتسمت ومنهنَّ مَن رفعت حاجبها استنكارًا.
انتظرتُ حتى هدأت ضحكاتهنَّ وعاد حديثهنَّ ليصبح منخفضًا، اقتربتُ منهنَّ وقلت:
- معذرة يا صبايا... هل أستطيع أن آخذ من وقتكنَّ خمس دقائق.
فقالت إحداهنَّ والتساؤل في عينيها:
- تفضلي...
جلست وتابعت:
- بداية اسمحنَّ لي أن أعرفكنَّ بنفسي... أنا ورد مديرة هذا الكافيه.
بادلنني التعارف والترحيب، فتابعت:
- لفتني ضحككنَّ وحديثكنَّ... وأعذرنني لأنني سمعته، فطاولتي قريبة كما ترينَّ وقد سمعتُ دون قصد... لذا هل تسمحنَّ لي أن أعلق؟
فأجبنَّ معًا هذه المرة:
- تفضلي.
طلبت لي ولهنَّ قهوة، ثم قلت:
- قبل ثلاثة أعوام كنتُ أعيش في سلام في قريتي الجنوبية، أملك كافيه له طابع خاص، كان مختصًا بالقراءة والقرّاء، فيه مكتبة كبيرة جدًا، ومطبخ يقدم المشروبات الساخنة والباردة فقط، مع امكانية استخدام الكمبيوترات الشخصية لتوفر خدمة الإنترنت داخله.
صاحت إحداهنَّ : واو... رائع.
ابتسمتُ بخجل وقلت: شكرًا... لكن! يبدو أن حضرتك لم تلاحظي انني قلتُ "كنت"... أجل كنت، لأن العدو الإسرائيلي دمّر مشروعي الخاص كما دمّر منزلي، وها انا نازحة "وحدي" من قريتي، وأعمل هنا فقط لأنني محظوظة بقريبٍ لي من بعيد تكرّم عليَّ بأن طلب من صديقٍ له توظيفي بعد أن استعطفه بوضعي الصعب، عمل صدقة تستطيعين القول.
وجمت الصبايا...
فتابعت: كنتُ مكتفية بذاتي وعملي وحياتي الخاصة، مما سبب لي مشكلاتٍ دائمة مع شقيقاتي الثلاث، هنَّ متزوجات ويعشنَّ خارج الوطن، مهاجرات في بلاد الله الواسعة. أما أنا فكنتُ متمسكة بوطني وبوحدتي، كنت أشهر "سنغل"* في قريتي الكبيرة.
لكن!... علمتني الحرب أن القوة ليست في الوحدة، وأن الاستقلال ليس هو الاستقلال المادي، فيوم بدأ الطيران الاعتداء على القرية، لم أجد شخصًا يطمئنني أو يربت على قلبي الخائف، ويوم قدتُ سيارتي لأغادر القرية تحت وابل الغارات، لم يكن معي مرافق، فلو قتلني الصهاينة يومها، لربما بقيت أسابيع قبل أن يفتقدني أحد، ليس لقلة الأصدقاء والأقارب، ولكن لأن الجميع كان مشغول بالبحث عن مأوى آمن له ولأولاده.
دمعت عينا صبية منهنَّ فقلت: آسفة لم أقصد أن أسبب لكنَّ الحزن.
مسحت دمعتها بطرف أناملها وهي تقول: لا عليكِ...
فتابعت: يوم علمتُ بتدمير منزلي قلت "الحمد لله... سأعوض كل شيء بعملي"... لكن!... سرعان ما أخبروني أن المقهى المؤلف من طبقتين وبكل ما فيه قد أصبح رمادًا، بكيت ليلتها بحرقة، ولم أجد يدًا تمسح دموعي.
أثناء الأوقات الصعبة، ليست القوة في إظهار الاستغناء عن وجود الرجل، فحينها أنتِ وبكامل قوتكِ أحوج ما تكونين إلى عناقٍ من رجلٍ حنونٍ يجمع شتات روحك المتعبة.
أتذكرنَّ مقولة نزار قباني "أحتاج لامرأة تجعلني أحزن"؟
كلنا بحاجة لشريكٍ يجعلنا نحزن... بمعنى يسمح لنا ببكاء كل أحزاننا بين ذراعيه كعصفورٍ خائفٍ يرتجف بردًا ووحدة.
أن تكوني "سترونغ اندبندنت وومن" يعني أن تضعي يدك بيد رجل حقيقي لتتشاركا معًا في تأسيس منزلٍ يُنتِج عائلة متحابة تهدي الوطن أبناء بررة يدافعون عنه وقت الحاجة، يعيدون بناء ما تهدم، يساندون بعضهم بعضًا، يؤمنون بأن لا شيء غير الشراكة الحقيقية يمكن أن تبني وطنًا أفضل.
يا عزيزاتي... الليلة عندما تعود كلٌ منكنَّ إلى منزلها لتسأل نفسها، ماذا لو- لا سمح الله- بلحظة شعرتُ بالخوف وأردتُ كتفًا أبكي عليه أوجاعي؟
نظرتُ إليهنَّ واحدة تلو أخرى... ابتسمت وتابعت:
- سأخبركنَّ بسرّ... اليوم وأنا في الخمسين أشتاق أن أشرب قهوتي مع شريكٍ عاش معي الكثير من تفاصيل العمر، لنسترجع معًا أجمل الذكريات، ولنبكي معًا السنوات التي اغتالها العدو من أعمارنا.
ودعتهنَّ وأنا أقول: أرجوكنَّ لا تصدقنَّ أكاذيب النسويات وهذرهنَّ، فالهموم تتحول إلى سموم تقتلنا ببطء عندما لا نجد من نتشاركها معه، ومن نبكيها على صدره.
* امرأة قوية ومستقلة
* مركز
* single أعزب/عزباء




No comments:
Post a Comment