الجنوبية


لأنني لم أعد أعرفني حين أواجهني وأنا أقف في المرآة، قررتُ أن أمنح ملامحي المنهكة مسحة من ألوان الربيع الذي حُرمنا منه في قرانا الجنوبية المنكوبة بعدوٍ يستبيح دمانا بصكٍ شرعي من حكّام يزعمون أنهم يمثلوننا كشعب!

حدّدتُ عيناي بأسود الحداد على أحباء مضوا على طريق الشهادة، كتحية وفاءٍ من قلبي المكلوم لكثرة ما فقد في الحرب. وذلك بعد أن حاولتُ اخفاء هالاتهما السوداء ببياضٍ لم أعترف به يومًا لونًا للاستسلام.

حاولت مدّ وجنتاي بألوان الزهور، فنضحت بلون دماء الشهداء الزاكية.
وبقدرة عجائبية، تحول أحمر الشفاء بين أناملي إلى كسرةٍ سوداء من خشب سنديان قريتي، الذي رماه العدو بالفسفوري، فاحترق مع قلوبنا.


علا صوت التلفاز بصوت المذيع يتلو علينا أخبار الوطن المنكوب بطبقة مسؤولين باعوا جنوبه وباعونا بأبخس الأثمان!... لكنهم، وللعدالة طلبوا منه أن يقتلنا... بذكاء!
فبكيت... بكيتُ قهرًا... بكيتُ دهرًا من تراكم الأوجاع والخيانات... بكيتُ جنوب القداسة الذي باعه عاهروا الوطن.
فانسابت دموعي أنهار سوادٍ، وأحمرّ أنفي وقد أزكمته رائحة الدم الذي سُفك، دم "زينب بنت ضيعتي وأطفالها الأربعة." الذين سفك العدو الصهيوني دماءهم الطاهرة يوم اغتالهم... لأنه لم يتصرف "بذكاء"!

في جنوبي المنكوب، لا نضع الألوان لنتزين كما تفعل النساء، فنحن نساء الجنوب، كلما حاولنا أن نضع على وجوهنا "مكياج" الربيع، هبّت علينا ريح المصائب، لتتحول وجوهنا إلى وجهٍ أشبه بوجه "بلياتشو" حاولت أن تتجمل لعل الحياة تضحك في وجهها.