ذات الرداء الأحمر في وِجار* الذئب

بلغت ليلى ربيعها الــ 15 وما زالت تعتقد أنّ جميع سكان الغابة أصدقاؤها، رغم توصيات جدّتها الحنون.
ولدت ليلى وكبرت على وقع زئير طائرات "إسرائيل"، وخبرت إجرامه وهي ابنة 4 سنوات، يوم أغار على منزلها الآمن، فاستشهدت عائلتها، ونجت هي لوجودها يومها مع جدّتها في كوخها داخل الغابة.

ذات صباح ربيعيّ مشرق، وقد بلغت ليلى عامها الــ 15، طلبت منها جدّتها أن تحمل سلة تفاح أحمر إلى منزل خالتها، بعد أن أوصتها بأن تنتبه من الذئب الصهيوني! وبينما كانت تسير الهوينى، وتشارك الزهور رقصاتها الجميلة على وقع نسمات نيسان الطرّية، سمعت صوت خشخشة وراء ظهرها، فأوجست خيفة!

اقترب منها شاب عشريني يحمل وردة حمراء، وقال: لا تخافي يا فتاة... هذا أنا يا ليلى.
ابتسمت ليلى ببراءتها المعهودة، وقالت: ومن أنت أيها الشاب؟ وكيف تعرف اسمي؟
اقترب منها أكثر، وقال: هل تذكرين الصياد الذي قتل الذئب وأخرج جدّتك من بطنه؟
أجابت: نعم...
فأكمل الشاب: أنا ابنه... اسمي سرحان*، وقد أوصاني أبي قبل وفاته أن أعتني بك.
حزنت ليلى، وقالت: وهل مات الصياد؟ رحمه الله، كان رجلًا شهمًا عطوفًا.
رسم الشاب ملامح الحزن على وجهه، وأجاب: رحمه الله، كم كان يحبك ويحب جدتك.
وأكمل: لقد أوصاني أن أعتني بك وبجدّتك، وأن أرعاكما وأتابع شؤونكما.
فقالت ليلى: أشكرك... تبدو طيبًا مثل والدك.
فناولها الوردة الحمراء، وهو يقول: "إذًا، ما رأيك أن أرافقك؟
ناولته أكبر تفاحة حمراء، وقالت: هيا بنا... وسأعرّفك إلى رفاقي وأهل قريتي.

الحب الأول؟... أجل. وكان هذا أول وأجمل سرّ تحمله الصبية اليافعة في أعماق قلبها.


سمعت الجدّة طرقات خفيفة على الباب، بينما كانت تعدّ طعام الغداء بانتظار عودة ليلى من المدرسة. توجّهت لفتحه وهي تتمتم "اللهم اجعله خيرًا".

كان "ليث حيدر"*، زوج شقيقتها، فابتسم وقال: مساء الخير يا أم حسين.
أجابت بابتسامتها الحنون: أسعد الله مساءك يا حاج... تفضّل بالدخول.

تلك الليلة، نقل "ليث حيدر" أسوأ خبر للجدّة!
لقد خطف "العميل سرحان" حفيدتها ليلى، وهو مصمّم على إبقائها معه في جميع الأحوال، لذا فمن الأفضل أن يوافقوا على زواجها منه!
انهارت الجدّة وفقدت صوابها. كيف يعقل أن يحدث ذلك، فليلى ليست سوى طفلة صغيرة!
لكن! لم تنفع تدخّلات كبار القرية ووجهائها. كان "سرحان" يصرّ على رأيه، بل إنه هدّد بقتل ليلى إن لم يذعنوا لطلبه... فأذعنوا عنوة.

عاشت ليلى في بيت "العميل سرحان" أحلك أيام عمرها البريء. كانت تسمعه ينقل أخبار المقاومين البواسل إلى العدو، وكيف يدعو رفاقه العملاء إلى قضاء ليال من السكر والعربدة في بيته. وفي نهاية ليالي العربدة تلك، كان ينهال عليها ضربًا لأنها لم تنجب له طفلًا بعد!
لعلّ الأمر الوحيد الذي استطاعت ليلى أن تمنعه هو حملها بطفل منه، وذلك بمساعدة جدّتها ونساء القرية، فقد علّمنها فنونًا لمنع الإنجاب... فنجحت في ذلك.


ذات ليلة شتوية قارسة البرودة، وقد عبّ "العميل سرحان" ورفاقه عشرات زجاجات الخمر احتفالًا بنجاحهم باغتيال قائد جهاديّ كبير، كانت ليلى تتحضّر لإنجاز أكبر مهمة يمكن أن تتولاها امرأة لا تتجاوز الــ 16 من عمرها.

تلك الليلة، وبعد تدرّب طويل وشاق مع قريبها "ليث حيدر"، وبعد أن خرج رفاق زوجها مخمورين يتطوّحون يمنة ويسرة، تسلّلت إلى غرفة زوجها، حيث كان يشخر كخنزير، وهو ممدد على الأرض. استلت خنجرًا صغيرًا حادًّا ومسمومًا من تحت ملابسها، وطعنته في قلبه إلى أن تأكّدت من أنه قد فارق الحياة. ثم التحقت بقريبها "ليث" ومجموعة من رجال القرية، كانوا بانتظارها قرب منزلها.

عندما اكتشف رفاق العميل جثته واختفاء زوجته، علموا أنها دبّرت كلّ ذلك، فأقسموا على قتلها!

في الغابة الواسعة، كان كوخ الجدّة فارغًا. انفجر واشتعل ما إن دخله "العملاء"، فتناثروا أشلاء. وكعادة العدو، لم يحقّق في قضية وقوعهم في شباك المقاومة، ولم يهتم لمقتلهم، فهم مجرّد عملاء خونة لأبناء وطنهم!

أما ليلى وجدّتها، فلم يعرف مصيرهما حتى عام 2000، عام التحرير، حين عادتا إلى القرية، وقد أصبحت ليلى شابة مكتملة الأنوثة، في عينيها نظرة ثقة وعزيمة، وفي قلبها إيمان بقضية حملتها في دمها منذ الولادة.

عام 2024، ارتقى زوج ليلى شهيدًا، وفي عام 2025، قدّمت ليلى ولديها الشابّين فداء لأرض الوطن.

وما زالت على عهدها، صابرة محتسبة، لا تهن ولا تتنازل عن مبادئها.




* الوِجار: اسم بيت الذئب في اللغة العربية، ويكتب أحيانًا وجّار.

* السرحان: الاسم الأكثر شيوعًا للذئب.

* الليث: من أسماء الأسد، ويعني الشجاع القوي.

* حيدر: من أسماء الأسد، ويطلق عليه هذا الاسم لغلظ عنقه، وقوة  جسده، وقدرته على البطش.

No comments:

Post a Comment