كان ياما كان



كان ياما كان

كان ياما كان

في هذا العصر
وهذا الزمان
أنثى غرقت
في نعيم الأحلام
والتقت ذات حلم
بفارس الفرسان
وعاشت معه
برهة في
جنة الأمان
لكن الحياة
سرعان ما
منحتها
قبلة الأحزان
فاستفاقت
من سباتها
لتجد نفسها
في غرفة
خاوية
تفوح فيها
رائحة
الهجر والخذلان.

حبٌ أمسى خبراً



حبٌ أمسى خبراً


      رحلة الشقاء الطويل مرت بسرعة، فالبارحة كنتُ في السادسة عشر، واليوم بلغتُ الأربعين، والمحتل الأبيض بدأ يتسلل إلى "الشعر الغجري المجنون"، وإرهاق العمر بدأ يرتسم تجاعيد خفيفة تتماهى مع كحل الجفنين... والثقافة تترك قبلاتها السوداء حول العينين.
أقف أمام المرآة وأسالها من تجاعيده أعمق؟... عيني؟... أم قلبي؟... أم عقلي؟...أم أن التجاعيد هي مجرد ثنيات في الروح؟
من حولني من نبضٍ بملامح إنسان، إلى جرح بملامح امرأة؟... ما هو الأكثر إيلاماً في رحلتي الأربعينية؟ الحرب التي أهدرت دم طفولتي؟ أم هو هم وطن اشتد نزيفه أكثر ما اشتد بعد أن توقف المدفع؟ أم هو طيفك الذي طغى على ملامح المراهِقة التي وجدتكَ مندساً في شرايينها قبل حتى أن تعي أن الحب وطنه الدم لا القلب.

      معتاد أنتَ طبعاً على قراءة نصوص تختار منها شخصية تتقمصها أمام لهفتنا لمتابعة أعمالك، ويكون ذلك بعد أن يُنحَت الدور حسب مقاييس قيمتك الفنية، وبعد أن يُشذب قلم الكاتب ومقص الرقابة كل ما قد يسيء إلى صورتك الجميلة، ولضمير وطنٍ لا بأس علينا فيه إن مارسنا عقدنا وسخافاتنا بعيداً عن أعين الرقيب. فالمهم أن نطل على المسرح في أبهى صورة وأزهى ألوان تناسب إستعراضنا الكبير.

ملاحظة: أنت الآن تقرأ فقط عقود أعمالك ومشاريعك.

أما أنا  فسوف أخبرك قصة بطلها الألم، قصة لا قلم سيجمّلها، ولا مقص سيشذبها من الشوائب. هي قصة أبطالها - مع الألم-  أنت وأنا وكل نساء العالم. أما مخرجها فهو القادر الرائع، القدر الغاشم الذي وضعكَ بين يدي إمرأة  أقل من عادية، إمرأة تماماً "كأتفه النساء".

هل أعطيكَ دليلاً على سخافتها؟!... لقد لزمها زواجها منك أكثر من خمسة عشر عاماً لتكتشف أنك ومنذ البدء، رجل غير عادي  وزوج غير اعتيادي! وما لم تكتشفه زوجك المصون  ربما، هو أن حولك من المحبين ما يكفي كي يتجاوزوا عن تفاهاتها، وكي لا يدينوك بسبب غباء وتفاهة امرأة تنتسب إليك بعقد شرعي، لذلك قررتْ أن تبدأ بالكلام والتصرف كإمرأة عاقلة فهيمة. لكن المسكينة لا تعرف أنها مهما حاولتْ فسوف تبقى دائماً إمرأة تعثر بها النجم الكبير محب الأمين.

سوف أبدأ بقصتي قبل أن تقول إنني أتحامل عليها. وأنت سوف تقرأ القصة وتنهيها، وستصفق لي أمام ضميرك الذي يعرف أنني أقول الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة.

فلنرجع معاً إلى عام 1985، عام أن بلغتُ السادسة عشر من عمري. كنتَ وقتها ممثلاً مبتدأً وصغيراً جداً، لم تتجاوز بعد الحادية والعشرون من عمرك. وكنتَ تشارك بدور تمثيلي  -لأول مرة-  في مسلسل عنوانه " درب الشهرة... والسلاح".   وكان المسلسل يروي كيف تتفرق دروب الشباب في زمن الحرب، كلٌ حسب تربيته والبيئة التي خرج منها، فمنهم من ينجح ويبدع ويصل الى الشهرة... ومنهم من يسير درب الميليشيات الخطر، ونَيشانه سلاح غدر يصوبه تجاه مواطن بلده، على خط تماسٍ رسمه الدم وحقد الطائفية.
عشقتُ المسلسل وأبطاله وكل عناصره، وتابعتُ بشغفٍ أكبر شخصية الشاب "لبنان" الذي لعبتَ أنتَ دوره، وقد أجدتَ في لعب الدور، شابٌ مكافح وعى نفسه قبل أن يغرق في دم إخوانه، فتراجع عن خطوط التماس واتجه ناحية الجامعة، حاملاً قلمه وأحلامه إلى أن أوصله طموحه إلى نيل جائزة في الرواية والأدب.

أشادتْ بكَ الصحف يومها، منذ بداية المسلسل حتى نهايته، وقد وصفك الكثير من النقاد وقتها بأنك فنانٌ ولد ولادة مدوّية.

وتابعتُ، ككل رفاقي المسلسل بعد أن شجعنا أساتذتنا على متابعته، الآن أفهم دوافعهم، فهو كان مسلسلاً هادفاً بإمتياز يحمل رسالةً يريد الأهل والمربون قاطبة أن يوصلوها إلى أولادهم، قبل أن يجرفهم تيار الحرب إلى مزالق السلاح وخطوط التماس. أذكر تماماً أن معلمة الأدب قد خصصت حصة لمناقشة المسلسل في بداياته، وأخرى بعد إنتهائه، ووصفته بأنه الإنتاج المحلي الوحيد ذو القيمة، خلال تلك السنوات المشؤومة.

... وبدأتُ أتابعك، وأحرص على مشاهدة أعمالك، بالرغم من أنها كانت قليلة أثناء الحرب. كما أنني قرأتُ كل كلمة كتبتْ عنك، سواء أكانت نقداً أم هجوماً، أم مجرد شائعات في الصحف الصفراء.
وبعد أن بلغتُ السابعة عشر كانت غرفتي قد أصبحت مليئة بالصحف التي روت أخبارك. وكانت صورك قد انتشرت على الجدران والخزائن وحتى النوافذ. والأهم وجدّتك قد إستوطنتني. لقد أصبح حبك وشماً على روحي،  وارتدتْ ملامحي... ملامحك، وأصبح طيف إبتسامتك يرافق ابتساماتي.
خلال هذه السنة تحديداً أعلنتَ انك سوف تترك التمثيل لأنه لا إنتاج محلي ذو قيمة في وطننا، واتجهت إلى الغناء. طبعاً أجدته وتربعتَ ملكاً متوجاً على قلوب الملايين في العالم العربي قاطبة.

... وبدأتْ رحلة الشقاء، مراهقة وحيدة أبويها، خائفة لأقصى درجات الذعر من حربٍ لا تفهمها - صدقني أنا ما زلتُ حتى الساعة لا أفهمها-  بالإضافة إلى كوني مراهقة تحمل داخلها عشقٌ مستحيل لإنسان افتراضي يعيش داخل التلفزيون والمجلات!... هل أعرفك شخصياً؟... لا!... هل التقيتك يوماً؟... لا!... هل أعرف أين أبحث عنك؟... لا!... هل أعرف كيف أصل إليك؟... طبعاًلا! وألف لا!
وهكذا أصبحتُ مراهقة غريبة الأطوار، خائفة لا لسبب محدد، حزينة دون ألم ظاهر. أعيش عزلتي عن مجتمع بدأ يقلق على صباي المختبىء خلف الجدران... كان مجتمعاً قلقاً لأن الجدران تحجبني عن عيني عريس عتيد، لا بد أن أستعرض جمالي أمامه قبل أن يقرر... "شرائي"!. ولم أسمح لكائن "غيرك"  أن يقتحم عزلتي التي مارستها بملىء إرادتي كفعل هربٍ من حقيقة مريرة، وهي غرامي بشاب مستحيلٍ لا عنوان له، أمضي أيامي بإنتظاره، غارقة في بحر دموعي وصوتك هو مرافقي الوحيد. كنتُ أطفىء المسجل عن صوتك لأشغل جهاز الفيديو على أيٍ من مسلسلاتك القليلة التي أديت فيها أدواراً رائعة. كما أنني وجدتُ سلواي في القراءة. فكنتُ  بالإضافة الى دراستي، أقرأ كل ما يقع أمام عيني من أدب وفن وشعر ودوريات ثقافية . كنت أريد أن أعرف كل شيء عن عالمك، عالم الفنانين المثقفين، المهمومين بقضايا الوطن والإنسان. هكذا كنتُ أراك وقتها!

    أوصلتني قراءاتي العديدة إلى الإخراج، قررتُ أن أدرسه كي أعرفك أكثر، وكي يجمعني بك عالم سوف أحرص على دخوله من أوسع أبوابه، كمثلك تماماً. وبدأتُ دراستي الجامعية، وشهرتك تتألق والشائعات من حولك تكاد تطغى على أخبارك، وغزواتك النسائية تحرق الصبر في وريدي.
خلال سنتي الجامعية الثانية، انتشرت شائعة زواجك كالنار في الهشيم، إلى أن عرفنا جميعاً أنه خبر مؤكد وليس شائعة، إذ أعلنت زواجك من سونيا، الممثلة التي لم تشاركك قبلاً أي عملٍ تمثيلي. وقد أخبرتني والدتي يومها أن سونيا هي ممثلة منذ حداثة سن والدتي، أي أنها بالتأكيد تكبرك سناً. كما أنها معروفة بتعدد زيجاتها. إلا أنك أكدت في الصحف يومها أن سونيا تماثلك في السن  وأن زواجكما هو نتيجة لقصة حب كبير.

أما من ناحيتي، فقد تأكدتُ، بعد سردك لطريقة لقائك بسونيا، أنها نصبتْ لك شركاً  اصطادتك به، أنت الشاب البريء، الذي خرج من بيئة محافظة لا تعترف بأي نوع من العلاقات سوى تحت مظلة الزواج... وهكذا فعلتْ.

      قرب نهاية العام الدراسي، أخبرني أستاذي المخرج سميح الصباح  أنه اختارني لأكون واحدة من مساعدي الإخراج في برنامج مسابقات يستضيف فنانين مع المتبارين، وأنه سيبدأ بتصويره بعد الإمتحانات الجامعية. تحمستُ للفكرة، خاصة بعد أن عرفتُ انك ستكون بالتأكيد ضيف إحدى الحلقات. وازداد حماسي عندما عرفتُ انك ستكون ضيف الحلقة الأولى، لكن فكرة قربي منك لهذا الحد أصابتني بالرعب.

... وبدأ التصوير، وحضرتَ مع مدير أعمالك وفرقتك الموسيقية. وذعري إنقلب إلى مرار وأسى، فقد كنت عريساً ما يزال هائماً بعروسه، والأهم انك لم تشعر بوجودي حتى لدواعي العمل، وكنتُ بالنسبة لك كمجرد طيف خفي لا جنس له أو شكل.
طبعاً لا داعي لأن أخبرك عن النجاح الساحق الذي حققه البرنامج في حلقته الأولى خاصة. فأنت تعرف سبب هذا النجاح. لكن طعم النجاح لم يدم طويلاً في مزاجك وقلبك وقلوبنا ايضاً. فقد استفقنا يوماً على خبر احتل صفحات الصحف الأولى، خبر يقول "الفنان محب الأمين يضبط زوجته في حضن عشيقها"!  وأوردت التحقيقات تفاصيل الحادث، وكيف انك كدتَ أن ترتكب جريمة قتل  لولا رحمة الله تعالى.

لن أخوض في التفاصيل لأنني أعلم أن الموضوع ما زال يؤلمك، لكن ما يهمني من الحادث، هو أنني تأكدتُ من صحة نظريتي، لقد اصطادتك هذه المرأة بسبب براءة شبابك. كما انك قد إعترفت أخيراً أنها تكبرك بحوالي خمسة عشر عاماً. وعلمنا جميعا أنها وجهت إلى قلبك طعنة قد لا تندمل ابداً، وهذا ما جعلنا جميعا ندعو في صلواتنا أن يمنحك الله الصبر والسكينة، وأن يطفئ نارك، خاصة بعد أن اعتكفتَ في منزلك ورفضتَ أن تقابل أي كان، وقد تولت وقتها شقيقتك ومدير أعمالك، الرد على الصحفيين والمعجبين، وأيضاً على الأصدقاء.


      تخرجتُ في الجامعة، وقد نلتُ تنويهاً من الإدارة على مشروع التخرج الذي عملتُ عليه طويلاً وبأقصى جهد أستطيعه.
أخبرتك قبلاً  أنني أريد الدخول إلى عالمك من أوسع أبوابه.
وقد كان فيلمي القصير للتخرج، يحكي قصة نجم جرفه تيار الهوى من على قمة المجد إلى حضيض الرذيلة.
كنتَ أنتَ بطلي الخفي، أردتُ أن أستنكر استهتاركَ بحق نفسك وبحق فنك وبحق معجبيك. كنتُ أصرخ لعلَّ صوتي يصل إليك، بأن إمرأة تخون رجلاً عظيماً مثلك لا تستحق سوى الشفقة. كنتُ أريد أن أستعطفك أن تخرج من ألمك وحزنك وسُكرك الذي أصبح حالة تلتصق بكل خبر عنك، "شوهد محب الأمين مع فلانة وكان مخموراً"!...  "توقيف محب الأمين بسبب القيادة في حالة سكر"!...
تخرجتُ  وأنت على هذه الحال المزرية، لكنني لم أتغير، ما زلتُ أحملك حلماً أسطورياً في روحي... ما زلتَ عمري... ما زلتَ سمائي وشمسي وكل كواكبي ونجومي... ما زلتَ النور في عيني وسريان الدم في عروقي.
كنتُ أغضب بسبب متابعة أخبارك، لكنني لم أكن أغضب منك وأبكي بسببك، بل أنا أبكي عليك وأستاء لأجلك، وأحزن على مجدك وسحرك. كان ألمك شديداً وقاسياً بالتأكيد، لكنني انتظرتُ أي خبر أو إشارة تفيدُ أنك سوف تستفيق من سكرك لتنتفض من سباتك خارج الكادر، لتعود بطل الصورة الذي اعتدناه  كأبهى وأروع وأسطع ما يمكن أن يكون عليه نجم.
وفجأة إختفى إسمك من الصحف، لم أعد أجد عنك أي خبر، حتى أخبار سُكرك وإشكالاتك الكثيرة إختفت، وكأن محب الأمين ما عاد ساكن الزمن الحاضر. أرعبتني فكرة أنك نجمٌ إنطفأ قبل أن يعطي أقصى طاقة ضوء يملكها.

وأصبحت أيامي عبارة عن رحلة بحث دائم، كنتُ أبحث عنك وأبحثُ عن أي خبر يرشدني إلى مصيرك... وأبحث أيضاً عن عمل. وكله دون جدوى. أنتَ اختفيت... وأغلِقَتْ في وجهي كل أبواب العمل. وكله يتذرع بفكرة أنني حديثة السن والتخرج ولا أملك ما يكفي من الخبرة للعمل في التلفزيون. وطبعاً لا صناعة سينما في وطننا، خاصة أثناء تلك السنوات،   وأما حركة الإنتاج المحلي في التلفزيون فكانت تسير ببطء، والكليبات لم تكن قد أصبحت بعد موضة الفنانين والمتفننين. ثم مَن يُسِّلم أي عمل مهما قصُرت مدته لمخرجةٍ تخرجت تواً في جامعتها، ولم يسمع بإسمها أحد بعد.

      أثناء خوضي في بحر البحث المتلاطم الأمواج ذاك، جاءنا والدي بالخبر الرهيب الذي قلب حياتي رأساً على عقب، لأبدأ بعدها أصعب وأقسى أيامٍ يمكن أن يعيشها إنسان في زمن اللاحرب، فالمفترض أن الحرب قد وضعت أوزارها، وآن أوان أن نعمل لنغير ما أفسده دهر الميليشيات، في نفوسنا وحياتنا ووطننا.
عاد والدي من الخارج عصراً على غير عادته، وكان متعباً لدرجة المرض، لكنه رفض أن نستدعي الطبيب، لأن الأمر ليس خطيراً، وبعد أن إستراح قليلاً قال أن لديه ما يخبرنا به والدتي وأنا.
 
بإختصار... هو متزوج وقد أثمر زواجه ولداً هو الآن في الخامسة عشر من عمره.
طبعا والدتي غضبتْ غضباً شديداً، وأنا جلستُ في الركن أذرفُ دموعي بحرقة الضعيف المغلوب على أمره، وسط والدين يتشاجران ويكيلان الشتائم لبعضهما. هي تصفه بالجاحد الخائن الغادر. وهو يصفها بالأنثى الناقصة التي لا تنجب أولاداً يحملون إسمه! أكثر ما أبكاني هو أنه قد نسي أنني ابنته من هذه المرأة التي يتهمها بنقص الأنوثة وعدم الإنجاب. بالتأكيد إن طبع الذكر الشرقي هو من يتكلم بلسانه، فهو يقصد أنها طالما لم تنجب ذكراً فكأنها لم تنجب. إن أقسى ما يمكن أن تكتشفه أنثى، هو أن وجودها يشبه عدمه في روح ذكر هو بالصدفة والدها.
وخرج والدي من المنزل ليعود جثة هامدة، يرافق جثمانه، ولده الذكر والمرأة التي هي "ضرة" أمي. واكتشفنا بعد إنتهاء مراسم العزاء،  أن والدي قد أنجب ولي عهده ليرث معي الشقة التي أسكنها مع والدتي، لأنه أي والدي، كان قد صرف كل إيراداته المالية المتواضعة على زواجه الميمون، وتركنا زوجتيه وابنه وأنا، في شقة صغيرة لنعيش صراعنا على السكن، وعلى صعوبات العيش، في وطن لم يقتنع بعد أن شبابه أولى بالنهوض به، من أمراء الحرب وزعماء المتاريس وخطوط التماس.
وبدأ  صراعي مع ابنه... فهو ولد أحط أخلاقاً من إسرائيليٍ نتن، وأكثر صفاقةً من مجنون البيت الأبيض ( بوش الأب والإبن والروح الشريرة طبعاً). أما والدته فقد كانت تعتقد نفسها ملكة بريطانيا، وما أمي وأنا سوى من صغار خدمها. فطلباتها لا تنتهي وأنا أصبحتُ مفلسةً، وكنتُ كلما اعترضتُ  تطلب مني أن أبتاع نصيب إبنها في الشقة، لكنني لم أكن أملك سوى حقدي على زوجها وابنها، وعلى الدنيا قاطبة.

وأنت أجهزتَ يومها على ما تبقى في صدري من رمق.
خرجتُ من المنزل بعد أن لم أعد أحتمل صخب الموسيقى التي يسمعها ذاك الكائن، ابن والدي. وبعد أن همتُ ساعاتٍ في الطرقات تحت الشمس الحارقة، وقفتُ أمام واجهة صحف لألتقط أنفاسي، وطالعني عنوان مهول احتل أغلفة معظم المجلات الفنية "محب الأمين أعلن خطوبته على صبية من خارج الوسط الفني"!. ابتعتُ إحدى المجلات وفتحتُ لأقرأ الموضوع، وما إن رأيتُ صورتها وهي تتأبطُ  ذراعكَ حتى انهارت قواي... وحجب سيل الدمع طريقي.
"نانسي؟!... ما بك؟!". كان هذا أستاذي سميح الصباح، فرحتُ برؤيته في محنتي هذه، وفرحتُ أكثر لأنه تذكرني . حاولتُ أن أسيطرَ على نفسي، فمسحتُ دموعي وأنا ابتسم له، لكنه تأبطَ ذراعي وطلب مني أن أرافقه. أخذني إلي مقهى قريب وطلب لي "ليموناضة"، وحاول مواساتي والتخفيف عني قبل أن يفهم ما الذي أصابني. منحني من وقته ساعتين، واستمع لقصتي، طبعاً دون ذكركَ فيها. فقال انه لن يتركني وسيساعدني.

وفى الأستاذ بوعده لي، فقد وجد لي وظيفة في تلفزيون أفتتح حديثاً. لم يكن عرضاً مغرياً جداً لكنه بداية أحتاجها، ووعدني أن يساعدني لإيجاد فرصة حقيقية تحقق لي طموحي، وتنقلني من حياة العذاب التي أعيشها.
أعطيتُ عملي كل طاقتي، وتغلبتُ على صدمتي بك، وأوصلتُ نفسي الى أن تتابع أخبارك بشكل طبيعي. وما لم تعلمه حينها، ولربما أنتَ لم تعلمه أبداً، أن نورما عروسك لم يحبها معجبوك وأولهم أنا. 
فلقد كانت قبيحةً وثقيلة الظل، لكننا جميعاً اعتبرناها حبل نجاةٍ سينشلكَ من الحضيض الذي تكاد أن تهوي اليه. وأنتَ أردتَ أن تعيد كرامتك التي إعتقدّتَ انها أُهدرت بسبب تلك الخائنة، لذلك تمسكتَ بهذا الزواج، وحاولتَ جهد طاقتك لتظهر بمظهر العريس العاشق الذي وجد سكينته مع فتاة الأحلام.

      مرت السنوات... أنت استعدتَ نجاحك، لا بل ازددت تألقاً وسحراً وجمالاً، وزوجتك نورما، صاحبة الوجه الجديد بعد عمليات تجميلٍ لم تغير قبحها، إزدادت بعداً عن قلبك، وبدأ الجميع يدرك من مقابلاتك وتصريحاتك أنك تزوجتْ فقط كي تنجب أطفالاً، وأنك لا تؤمن بالزواج خارج هدف الإنجاب.
لربما أنت كمعظم الفنانين، الرجال خاصة، يفصلون بين الحب والزواج، وقد كنتَ محقاً، فتلك المرأة لم تكن تجلب لقلبك سوى الحزن، خاصة بعد أن شفيتَ من جراحك، لتكتشف أنها لم تكن لتدخل حياتك لولا أنك لم تكن بكامل وعيك وإرادتكَ تلك الفترة. وهكذا أصبحت أيامكما، أنت تزداد تألقاً ونجاحاً ومعجبوك يزدادون هياماً بك، وهي أصبحتْ فقط أم أطفالك، وكثرت جداً أخبار شجاراتكما الدائمة بسبب كل شيء تقريباً، وخاصة بسبب أن المعجبين لا يحبونها، ولا يهتمون لشأنها، سواء أكانت برفقتك أم وحدها. وكان أكبر وأقسى خبرٍ تناولته الألسن عنكما، هو أنك لا تثق بها، وأنك ترسل وراءها من يراقبها ويحصي عليها أنفاسها، وأن هذا هو سبب خلافكما الدائم بالإضافة إلى موضوع المعجبات والمعجبين. وهي تنفي ذلك... أما أنت فلا يصدر عنك أي تعليق على الموضوع. لكن الصورة كانت واضحة أمام جميع من يتابعك، أولادك هم الأهم ثم أولادك... ثم أولادك... ثم... ولم نعرف إن كانت في أحد مراتب اهتماماتك.
مسكينة! كنتُ أحيانا أشفق عليها، فقد كان واضحاً كم أنها تغار عليك وتغار منك. فأنت الكبير العظيم الساحر... وهي مجرد أم أولاد النجم الرائع.

      انتقلتُ أنا من التلفزيون إلى التدريس في معهد الفنون المسرحية، وأصبحتُ مساعدة أستاذي المخرج سميح الصباح، سواء في المسرح أو التلفزيون. كما أننا عملنا معاً في مسلسلات من إنتاج سوري. وبدأ إسمي يُعرف في الأوساط الفنية والعامة. وأيضاً تركتُ المنزل لذاك الولد الفاسد ووالدته، وانتقلتُ مع أمي للسكن في منزل استأجرته من مالي الخاص ... لكن! حين استقرتْ بي الحياة، وبدأتُ أرى بصيص نورٍ في حياتي، أصيبت والدتي بمرضٍ نادر. وأخبرنا الطبيب أنه مرضٌ نجاح علاجه شبه معدوم، وأنه لا شفاء منه.

      سنوات مرت... أمي تزداد ضعفاً ومرضاً وخوفاً عليّ من وحدتي، وبدأت تطالبني، بعد أن تجاوزتُ الخامسة والثلاثون من عمري، أن أشفق على خوفها عليّ وأن أتزوج لتطمئن عليّ، وحين كنتُ أقول انني لم التق بعد بالإنسان المناسب، كانت تقول بأنني إن عملتُ أقل ورفعتُ رأسي عن كتبي، لربما عندها أنظر جيداً حولي لأميِّز المناسب من غير المناسب. وأنا أضحك كي أخفي ألماً في داخلي يعذبني ليل نهار. أصبحتُ مليئة بالوجع والعذاب لدرجة أنه لم يعد لي القدرة على أن أحب.
كيف أحب وأمي شمعة عمري تنطفئ رويداً رويداً. وذاك الكائن، ابن والدي، كلما تورط في مصيبة أخبر الجميع أنه أخي. بالإضافة إلى تدهور أوضاعنا المعيشية والأخلاقية، وسرقة وطننا في وضح النهار من قبل سياسيين باعوا ضمائرهم كي يحصلوا على المزيد من الأموال ... كل هذا مع أكثر المشاهد الماً... موت الأطفال في لبنان وفلسطين والعراق أمام مرأى ومسمع العالم كله، العالم الصامت على جرائم، لربما لم يشهد التاريخ أبشع منها.

ثم أنت...
عملنا معا في حلقةٍ تمثيليةٍ كنتَ بطلها المطرب، واقتربنا من بعضنا كثيراً... يا الهي كيف خفق قلبي حينها مع كل رمشةٍ من عينيك... يومها لم تكن أمي قد أصيبتْ بالمرض بعد، وكانت نورما قد أنجبت لك أطفالك.
 بعد انتهاء التصوير بحوالي الشهر زرتني في مكتبي واعترفتَ لي بحبك. كاد قلبي يتوقف من شدة الضرب، وقبل أن أقول أنه عليكَ أن تعود إلى عائلتك، وقفتَ وقلتَ أنك لا تريد جواباً الآن ... وخرجتَ مسرعاً.
اختفيتَ أسبوعاً، حاولتُ خلاله الإتصال بك لكنني لم أفلح، ثم أخيراً ظهرت، وأيضاً دون أن تعطيني الفرصة لأقول أي شيء، طلبتَ مني أن أسامحك لأنك لا تستطيع أن تتابع علاقتك بي!... أي علاقة!... المهم، قلتَ أنكَ وبعد أن فكرتَ ملياً وجدت نفسك لا تستطيع أن تتخلى عن أولادك وزوجتك التي تحتمل الكثير لأجلك!
لن أقول لك سوى هذا، أنت لم ترد أن تكمل معي لأنك كمعظم الرجال، كما تقول أمي، قد تحب إمرأة ذكية وناجحة، لكنك لا تتزوج سوى الغبية. أخافتكَ شهرتي بصلابة الشخصية، وعشقتَ غباء نورما وتفاهتها، لأنها دائماً تمنحكَ الإحساس بالتفوق والإستعلاء والذكورة القصوى.

أصبحتُ أراقبُ فرحكَ الدائم، وكيف أنك أصبحتَ تعتبر أي متعرية على أنها فنانة صديقة ومقربة منك، كما أراقب نورما كيف تزداد مع الأيام تفاهة، وكيف تتحفنا أحياناً بمناظراتها عن الأناقة وتربية الأطفال والزواج الناجح من فنان.
أرقب وأراقب كل هذا، وأنت تزداد بُعداً عن عالمي وقلبي وروحي، وأتساءلُ كلما رأيتُ صورتها، ما الذي يعجبك بها؟! وهل أنتَ حقاً مقتنع بشخصها العظيم؟! وزواج العقل هذا الذي تتكلم عنه، بناءاً على أي قناعة بنيته وتكمله؟! أيعقل أنك لا تعرف كمَّ سخافتها؟! إن كنتَ لا تعلم، إذن إلى أي مدى أنتَ مختلفٌ عنها؟!

      بلغتُ الأربعين من عمري منذ أسبوع. والدتي توفيت منذ سنتين. وأنا ما أزال مضربة عن الزواج حتى إشعار آخر.
أتأملُ صورتك، وصوتك ينساب في المكان، كم أصبحتُ أحتاج إلى جهد يا محب، كي أرى لك صفةً رائعة، كتلك الصفات التي قادتني، وأنا مراهقة، إلى أكبر غرامٍ عاشته مراهقةٌ وشابةٌ أوصلها غرامها بكَ إلى كل ما هي عليه. فأنا نجحتُ في حياتي لأجلك،  وتراكمتْ ثقافتي لأجلك ... أنا عشتْ فقط لأجلك.
 أما الآن... فأنظرُ إلى صورتك أو مقابلاتك،  وأنا أتساءلُ إن كنتَ حقاً رجلاً عظيماً؟ أم أن غرامي بك هو الذي أعطاكَ هالةً على حجم ولعي بك... لا بناءاً على حجمك الحقيقي؟.

أتعلم متى بدأتُ أتساءل عن مقدار حجمك؟! تلك الليلة من ليالي الشتاء، حين تكلمتْ إعلاميةٌ كبيرةٌ من صديقات والدتك، عن زواجك من نورما! لقد كانت تلك أكبر مفاجأة لكل من يعرفك، سواءٌ أيحبكَ أم لا. محب الأمين يتزوج بهذه الطريقة؟!! كان الخبر مذهلا.
أثناء حديثها عن زيجات الفنانين في برنامج يسرد قصة حياتها ونجاحاتها، قالت الإعلامية أن والدتك، وبعد خيانة سونيا لك وانغماسك في السكر والضياع، صممتْ على تزويجك بأي طريقة وبأي ثمن، كي تثوب إلى رشدك وتعاود نشاطك الفني، ولأنك كنتَ وقتها قد اعتزلت الحياة الإجتماعية، فقد أقامتْ والدتك حفل غداءٍ لكل صديقاتها القريبات والبعيدات مع بناتهن، والهدف هو تسجيل الحفل على شريط فيديو، يُظهر وبوضوح كل صبايا الحفل. وبعد أن عرضتْ والدتك الشريط أمامك، أوحت لك أن تختار نورما صغيرة السن التي ستكون عجينة طيعة بين يديك، وهذا ما سيرد الضربة لسونيا، بعد أن تراكَ وقد تزوجتَ من صبيةٍ تنفع كحفيدة لها... واقتنعتَ وحصل زواجك الغريب!

      حتى الآن،  لا أصدق أنك أنت تحديداً تتزوج بهذه الطريقة القديمة التي عفى عنها الزمن، كأي رجل متخلف.
أما حديثها الذي أثقل مخزون تفاهتها، فكان الشعار الذي استحدثته زوجك المصون، بعد أن قال إعلامي من محبيك الكثر أن نورما هي السندريللا التي اختارها محب الأمين ليبني معها قصره وحياته... مجاملة صدقتها المسكينة وأصبحت تريد أن تقنعنا بأنها تعيش معك قصة حب غير اعتيادية، وأنكما زوجين لا تشبهان أي زوجين. كل هذا وهي تتناسى أن الناس أصبحت تعلم تماماً كيف تزوجتها،  وكيف تشعر تجاهها،  وما موقعها في حياتك.
وأنت أيضا نسيت، فأصبحتَ تدعي مؤخراً انك تعيش حالة انسجام معها!... يا الهي يا محب...  مع هذه التافهة؟!
      ... وفجأةً وعيتُ كمَّ سخافة هذه الإنسانة، وكمَّ سخافتكَ أنت أيضاً.
أجل...  لا تستهجن. اليست هذه الإنسانة هي زوجتك التي تعود اليها من أسفارك لتعيش معها تفاصيل الزواج؟... اليست هي من أنجبتَ منها أطفالك؟... اليست هي من تحمل اسمك في حلها وترحالها؟... اليست؟... اليست؟... كي تعيش معها كل هذا، لا بد إذن أن بينكما ما هو مشترك، لا بد أن ما يجمعكما أكثر بكثير من ما يفرقكما.
إذن لا بد أنك سخيف مثل زوجتك يا حبيبي.

وأخيراً عرفتُ سبب بُعدكَ عن مشاعري، عرفتُ لما ذاكَ الحبُ أمسى خبراً.
أنتَ ربيب الفرح، وأنا إبنة الألم . أنت شعارك أنه مهما حصل فسنفرح ونغني، أما أنا فلا قوة في العالم تجعلني أستطيع امتلاك ترف الفرح، وأنا أشاهد بأمّ العين موت أطفال تحت الأبنية المقصوفة في لبنان والعراق وفلسطين. لا يمكنني أن أفرح وآلاف الشباب في وطني يائسون بسبب البطالة. لا يمكنني أن أفرح وأنا أرى شباباً يهاجر من وطنه الى الغربة والعذاب، لا يمكنني أن أفرح أمام دمعة أم شهيدٍ أو أسير، لا يمكنني أن أفرح وأنا أرى على مدار الساعة وقاحة العدو، وصفاقة مجنون البيت الأبيض(بوش)، وعهر غولة أميركا السوداء، لا يمكنني أن أفرح وأنا أرى كيف أصبح أقزام السياسة وأطفالها في وطني وخارجه، يتحكمون بمصير وطنٍ وشعبٍ بأكمله. كيف أفرح وأنا أرى أولاداً تتسلط على أدوار الزعامة والسلطة في هذا الوطن الذبيح... وكله بإسم الحقيقة؟ كيف أفرح والحقيقة الساطعة كالشمس تعمي من لا يريد أن يرى،  فتصبح أكثر فأكثر غارقة بدم مئات المواطنين العزّل؟
أصبح ما بيني وبينك هوة سحيقة، لأن ما يفرقنا هو أن الفرح لا يورث إلا السعادة، أما الألم فيعلم كل شيء. طبعاً في هذه اللحظات خطرت لكَ صدمتكَ بسونيا، لكن هذه الصدمة الوحيدة في حياتك، وهي صدمةٌ عاطفيةٌ، واعتقد أننا معاً أصبحنا في سنٍ وخبرةٍ كافيين كي نعلم أن الصدمةَ العاطفيةَ ما هي سوى حدثٌ تافهٌ يحصل لنا في سني البراءة والسذاجة.

      يا من كنت حبيبي... هنيئاً لك سخافتك ... وهنيئاً لي أروع ارثٍ حصلتُ عليه... أغنية الكبيرة فيروز :
" أنا عندي حنين" ... وأغنية العظيمة أم كلثوم في قصيدة إبراهيم ناجي :
يا فؤادي لا تسلْ أينَ الهوى
كان صرحاً من خيالٍ فهوى
اسقني وأشرب على أطلاله
واروي عني طالما الدمعُ روى
كيف ذاكَ الحبُ أمسى خبراً
وحديثاً من أحاديث الجوى.

  



Twitter Bird Gadget