عازف الغيتار


عازف الغيتار 

      نظرت إلى ساعة الحائط قبالتها، وقد  كانت تقارب منتصف الليل.
تفحصت طاولة الطعام أمامها، فوجدت أن أصناف المأكولات كلها جاهزة، كل ما يحبه، وكما يحبه، لا ينقص سوى؟ إبريق العصير. سارعت إلى المطبخ ووضعته في الثلاجة، العصير يجب أن يكون مثلجاً، هكذا يحبه، وأحضرتْ الكؤوس ووضعتها في أماكنها على الطاولة.
ألقت نظرة أخيرة... حسناً... كل شيء جاهز. جلست تنتظره وتحلم بليلتها معه.

حضر رياض في تمام منتصف الليل، مباشرة من المطار. وما إن وصل حتى عصفت الحياة في المنزل الساكن.
أولاً حملها ودار بها، إلى أن رجته أن يعيدها إلى الأرض.
وبعد أن تبادلا قبلة طويلة ملتهبة، أحضرتْ له كوب العصير المثلج... شربه سريعاً، لأنه جائع، وكأنه لم يأكل منذ أيام.
ما إن تناول أول لقمة من أول صنف قال:
-  أتعلمين؟... لا أجد للأكل طعماً وأنتِ لستِ بجانبي.
قبَّلت باطن كفه الموضوع على وجهها وأجابت:
-   أنا لا أجد طعماً لأي شيء وأنت بعيد عني.
أخبرها وهما يأكلان عن الحفلات التي أحييوها. فرياض هو عازف الغيتار في الفرقة الموسيقية المرافقة لمطرب من نجوم الصف الأول.
وهي  تحب هذا النجم، لا لأن رياض يعزف في فرقته الموسيقية، ولكن لأنها تحب صوته... صوته فقط. ومع ذلك فإنها كثيراً ما ذهلت عنه، لتنظر وراءه تماماً، إلى عازف الغيتار الذي ملك روحها قبل حتى أن تلقاه شخصياً.
ما زالت تذكر تماماً أول مرة قابلتْ فيها رياض، لقد أمسك بيدها وقال:
-  ما هي المهمة التي أتيتِ لأجلها إلى الأرض؟
ذهلت وقالت:
-  عفواً!؟
-  الستِ ملاكاً أرسله الله إلى الأرض في مهمة؟
ضحكت كثيراً... ووقعت في غرامه، عن قرب هذه المرة.
استمر في أحاديثه وهي متقوقعة في حضنه، تشم رائحته، ولا تكتفي من تقبيله. واستمر الحال هكذا إلى أن أنهى شرابه الساخن المعتاد بعد العشاء.
... ولم يترك لها مجالاً لتجيب على أسئلته، فقد بدأ بمناوراته الغرامية.
وقبل أن يغرقا في بحر الأشواق قال:
-  هل أعزف قليلاً؟
ابتسمت وهي تومئ برأسها، هي تعرف تماماً متى تنتاب رياض رغبة العزف.
عزف لها المقطوعات التي يحبانها معاً، متدرجاً من المقطوعات الصاخبة، إلى أكثرها هدوءاً ورقة.
وبعد أن اكتفى من العزف، أدار المسجل، فإنساب صوت راغب علامة:
أنت ليلة من ليالي الف ليلة
يا أميرة عمري يا أجمل أميرة
جذبها إلى الرقص، فتعلقت برقبته، وأخذتهما خطواتهما إلى غرفة النوم. وبقي راغب علامة وحيداً في الصالة يغني لأميرة عمره.

هذه الليلة سوف ترتدي قميص نوم اسود، هو ذاك الذي ابتاعاه قبل أن يسافر، وقد أصر على أن يكون أسود، لا أبيض، هو لا يحب لون الحياد في الحب.
... وكانت ليلة ملتهبة بالأشواق المتراكمة منذ أكثر من ثلاثة أشهر... وعزف على أوتارها كما يعزف على غيتاره، فهو يعرف متى ينقر الوتر برقة، ومتى ينقر بقوة، ليستخرج من روحها أجمل نغمٍ يريد سماعه.
وبعد أن نهلا من نبع عشقهما الذي لا ينضب، غفتْ على صدره بعد أن حضنها وقبَّل جبينها وقال وهو يغفو:
-  إلى اللقاء يا حبيبتي .
ناما كما اعتادا دائماً، متلاصقين كما لو أنهما واحد. وهي كالمعتاد عندما تنام في أمان حضنه، حفلت أحلامها بالألوان والموسيقى.
و...
استفاقت وفتحت عينيها، وقد ملأ نور النهار الغرفة. نظرت إلى قميص نومها الأسود، وتمطت بكسلٍ وهي تبتسم، وتتذكر حلم البارحة... ونظرت حولها...
"يا الهي... إنني أشم رائحته وكأنه كان هنا حقاً!"
رياض عازف الغيتار، ليس سوى حبيبٌ صعب المنال. حبيبٌ لا تلقاه سوى صدفة... وهو لربما لا ينتبه لوجودها.
وهي إعتادتْ أن تعشقه... إعتادتْ أن تنتظره... إعتادتْ أن تعرف  حين تصحو من نومها، أنه لم يكن سوى ... حلم بطله عازف الغيتار.
Twitter Bird Gadget